ابن أبي الحديد

233

شرح نهج البلاغة

قلنا قد ثبت اسلامه بحكم إقراركم ، ولو كان طفلا لكان في الحقيقة غير مسلم ، لان اسم الايمان والاسلام والكفر والطاعة والمعصية إنما يقع على البالغين دون الأطفال والمجانين ، وإذا أطلقتم وأطلقنا اسم الاسلام ، فالأصل في الاطلاق الحقيقة ، كيف وقد قال النبي صلى الله عليه وآله ( أنت أول من آمن بي ، وأنت أول من صدقني ) وقال لفاطمة ( زوجتك أقدمهم سلما - أو قال اسلاما - ) فان قالوا إنما دعاه النبي صلى الله عليه وآله إلى الاسلام على جهة العرض لا التكليف . قلنا قد وافقتمونا على الدعاء ، وحكم الدعاء حكم الامر والتكليف ثم ادعيتم إن ذلك كان على وجه العرض ، وليس لكم أن تقبلوا معنى الدعاء [ عن وجهه ] ( 1 ) الا لحجة . فان قالوا لعله كان على وجه التأديب والتعليم ، كما يعتمد مثل ذلك مع الأطفال قلنا إن ذلك إنما يكون إذا تمكن الاسلام باهله ، أو عند النشوء عليه والولادة فيه ، فاما في دار الشرك فلا يقع مثل ذلك ، لا سيما إذا كان الاسلام غير معروف ولا معتاد بينهم ، على أنه ليس من سنة النبي صلى الله عليه وآله دعاء أطفال المشركين إلى الاسلام والتفريق بينهم وبين آبائهم ، قبل أن يبلغوا الحلم . وأيضا فمن شان الطفل اتباع أهله وتقليد أبيه ، والمضي على منشئه ومولده ، وقد كانت منزلة النبي صلى الله عليه وآله حينئذ منزلة ضيق وشدة ووحدة ، وهذه منازل لا ينتقل إليها الا من ثبت الاسلام عنده بحجة ، ودخل اليقين قلبه بعلم ومعرفة . فان قالوا إن عليا عليه السلام كان يألف النبي صلى الله عليه وآله ، فوافقه على طريق المساعدة له . قلنا إنه وإن كان يألفه أكثر من أبويه وإخوته وعمومته وأهل بيته ، ولم يكن الألف ليخرجه عما نشأ عليه ، ولم يكن الاسلام مما غذي ( 2 ) به وكرر على سمعه ،

--> ( 1 ) تكملة من ا . ( 2 ) ب : ( عدي ) ، تصحيف ، وأثبت ما في ا .