ابن أبي الحديد
223
شرح نهج البلاغة
قال أبو جعفر وقد تعلمون أن بعض الملوك ربما أحدثوا قولا ، أو دينا لهوى فيحملون الناس على ذلك ، حتى لا يعرفوا غيره ، كنحو ما اخذ الناس الحجاج بن يوسف بقراءة عثمان ، وترك قراءة ابن مسعود وأبي بن كعب ، وتوعد على ذلك بدون ما صنع هو وجبابرة بنى أمية وطغاة مروان بولد علي عليه السلام وشيعته ، وإنما كان سلطانه نحو عشرين سنة ، فما مات الحجاج حتى اجتمع أهل العراق على قراءة عثمان ، ونشأ أبناؤهم ولا يعرفون غيرها لإمساك الاباء عنها ، وكف المعلمين عن تعليمها ، حتى لو قرأت عليهم قراءة عبد الله وأبى ما عرفوها ، ولظنوا بتأليفها الاستكراه والاستهجان ، لألف العادة وطول الجهالة ، لأنه إذا استولت على الرعية الغلبة ، وطالت عليهم أيام التسلط ، وشاعت فيهم المخافة ، وشملتهم التقية ، اتفقوا على التخاذل والتساكت ، فلا تزال الأيام تأخذ من بصائرهم ، وتنقص من ضمائرهم ، وتنقض من مرائرهم ، حتى تصير البدعة التي أحدثوها غامرة للسنة التي كانوا يعرفونها ، ولقد كان الحجاج ومن ولاه ، كعبد الملك والوليد ومن كان قبلهما وبعدهما من فراعنة بنى أمية على إخفاء محاسن علي عليه السلام وفضائله وفضائل ولده وشيعته ، واسقاط أقدارهم ، أحرص منهم على اسقاط قراءة عبد الله وأبى ، لان تلك القراءات لا تكون سببا لزوال ملكهم ، وفساد أمرهم ، وانكشاف حالهم ، وفي اشتهار فضل علي عليه السلام وولده واظهار محاسنهم بوارهم ، وتسليط حكم الكتاب المنبوذ عليهم ، فحرصوا واجتهدوا في اخفاء فضائله ، وحملوا الناس على كتمانها وسترها ، وأبى الله أن يزيد امره وامر ولده الا استنارة واشراقا ، وحبهم الا شغفا وشدة ، وذكرهم الا انتشارا وكثرة ، وحجتهم الا وضوحا وقوة ، وفضلهم الا ظهورا ، وشأنهم الا علوا ، واقدارهم الا اعظاما ، حتى أصبحوا بإهانتهم إياهم أعزاء ، وبإماتتهم ذكرهم احياء ، وما أرادوا به وبهم من الشر تحول خيرا ، فانتهى إلينا من ذكر فضائله وخصائصه ومزاياه وسوابقه ما لم يتقدمه السابقون ، ولا ساواه فيه القاصدون ، ولا يلحقه الطالبون ، ولولا أنها كانت