ابن أبي الحديد

219

شرح نهج البلاغة

قال شيخنا أبو جعفر الإسكافي ( 1 ) لولا ما غلب على الناس من الجهل وحب التقليد ، لم نحتج إلى نقض ما احتجت به العثمانية ، فقد علم الناس كافة ، أن الدولة والسلطان لأرباب مقالتهم ، وعرف كل أحد علو أقدار شيوخهم وعلمائهم وأمرائهم ، وظهور كلمتهم ، وقهر سلطانهم وارتفاع التقية عنهم والكرامة ، والجائزة لمن روى الاخبار والأحاديث في فضل أبى بكر ، وما كان من تأكيد بني أمية لذلك ، وما ولده المحدثون من الأحاديث طلبا لما في أيديهم ، فكانوا لا يألون جهدا في طول ما ملكوا أن يخملوا ذكر علي عليه السلام وولده ، ويطفئوا نورهم ، ويكتموا فضائلهم ومناقبهم وسوابقهم ، ويحملوا على شتمهم وسبهم ولعنهم على المنابر ، فلم يزل السيف يقطر من دمائهم ، مع قلة عددهم وكثرة عدوهم ، فكانوا بين قتيل وأسير ، وشريد وهارب ، ومستخف ذليل ، وخائف مترقب ، حتى أن الفقيه والمحدث والقاضي والمتكلم ، ليتقدم إليه ويتوعد بغاية الإيعاد وأشد العقوبة ، الا يذكروا شيئا من فضائلهم ، ولا يرخصوا لأحد أن يطيف بهم ، وحتى بلغ من تقية المحدث انه إذا ذكر حديثا عن علي عليه السلام كنى عن ذكره ، فقال قال رجل من قريش ، وفعل رجل من قريش ، ولا يذكر عليا عليه السلام ، ولا يتفوه باسمه . ثم رأينا جميع المختلفين قد حاولوا نقض فضائله ، ووجهوا الحيل والتأويلات نحوها ، من خارجي مارق ، وناصب حنق ، وثابت مستبهم ، وناشئ معاند ، ومنافق مكذب ، وعثماني حسود ، يعترض فيها ويطعن ، ومعتزلي قد نقض في الكلام ، وابصر علم الاختلاف ،

--> ( 1 ) هو محمد بن عبد الله أبو جعفر المعروف بالإسكافي ، ذكره الخطيب في تاريخ بغداد 5 : 416 ، وقال عنه : ( أحد المتكلمين من معتزلة البغداديين ، وله تصانيف معروفة . . . وبلغني انه مات في سنة أربعين ومائتين ) .