ابن أبي الحديد
216
شرح نهج البلاغة
لطيفة ، لا يليق أن يخلو كتابنا هذا عنها ، ولان كلامهما بالرسائل والخطابة أشبه ، وفى الكتابة أقصد وادخل ، وكتابنا هذا موضوع لذكر ذلك أمثاله . قال أبو عثمان قالت العثمانية أفضل الأمة وأولاها بالإمامة أبو بكر بن أبي قحافة لاسلامه على الوجه الذي لم يسلم عليه أحد في عصره ، وذلك إن الناس اختلفوا في أول الناس اسلاما ، فقال قوم أبو بكر ، وقال قوم زيد بن حارثة ، وقال قوم خباب بن الأرت . وإذا تفقدنا اخبارهم ، وأحصينا أحاديثهم ، وعددنا رجالهم ، ونظرنا في صحة أسانيدهم ، كان الخبر في تقدم اسلام أبى بكر أعم ورجاله أكثر ، وأسانيده أصح ، وهو بذاك أشهر ، واللفظ فيه أظهر ، مع الاشعار الصحيحة ، والأخبار المستفيضة في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وبعد وفاته ، وليس بين الاشعار والاخبار فرق إذا امتنع في مجيئها ، واصل مخرجها التباعد والاتفاق والتواطؤ ، ولكن ندع هذا المذهب جانبا ، ونضرب عنه صفحا ، اقتدارا على الحجة ، ووثوقا بالفلج والقوة ، ونقتصر على أدنى نازل في أبى بكر ، وننزل على حكم الخصم ، فنقول انا وجدنا من يزعم أنه أسلم قبل زيد وخباب ، ووجدنا من يزعم أنهما أسلما قبله ، وأوسط الأمور أعدلها ، وأقربها من محبة الجميع ، ورضا المخالف ، أن نجعل اسلامهم كان معا ، إذ الاخبار متكافئة ، والآثار متساوية على ما تزعمون ، وليست إحدى القضيتين أولى في صحة العقل من الأخرى ، ثم نستدل على امامة أبى بكر بما ورد فيه من الحديث ، وبما أبانه به الرسول صلى الله عليه وآله من غيره . قالوا فمما روى من تقدم اسلامه ما حدث به أبو داود وابن مهدي عن شعبة ، وابن عيينة عن الجريري ، عن أبي هريرة ، قال أبو بكر انا أحقكم بهذا الامر - يعنى الخلافة - الست أول من صلى .