ابن أبي الحديد

208

شرح نهج البلاغة

انظر ، فضرب الله على أذني ، فما أيقظني الا مس الشمس ، فرجعت إلى صاحبي ، فأخبرته الخبر ، ثم ما هممت بعدها بسوء ، حتى أكرمني الله برسالته ( 1 ) . وروى محمد بن حبيب في أماليه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله أذكر وانا غلام ابن سبع سنين ، وقد بنى ابن جدعان دارا له بمكة ، فجئت مع الغلمان نأخذ التراب والمدر في حجورنا فننقله ، فملأت حجري ترابا فانكشفت عورتي ، فسمعت نداء من فوق رأسي يا محمد ، ارخ إزارك ، فجعلت ارفع رأسي فلا أرى شيئا ، الا انى اسمع الصوت ، فتماسكت ولم أرخه ، فكان انسانا ضربني على ظهري ، فخررت لوجهي ، وانحل إزاري فسترني ، وسقط التراب إلى الأرض ، فقمت إلى دار أبى طالب عمى ولم أعد . واما حديث مجاورته عليه السلام بحراء فمشهور ، وقد ورد في الكتب الصحاح انه كان يجاور في حراء من كل سنة شهرا ، وكان يطعم في ذلك الشهر من جاءه من المساكين ، فإذا قضى جواره من حراء ، كان أول ما يبدأ به إذا انصرف أن يأتي باب الكعبة قبل أن يدخل بيته ، فيطوف بها سبعا ، أو ما شاء الله من ذلك ، ثم يرجع إلى بيته ، حتى جاءت السنة التي أكرمه الله فيها بالرسالة ، فجاور في حراء شهر رمضان ، ومعه أهله خديجة وعلي بن أبي طالب وخادم لهم ، فجاءه جبريل بالرسالة ، وقال عليه الصلاة والسلام جائني وانا نائم بنمط فيه كتاب ، فقال اقرأ قلت ما اقرأ فغتني ( 2 ) حتى ظننت انه الموت ، ثم أرسلني فقال ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) ، إلى قوله ( علم الانسان

--> ( 1 ) تاريخ الطبري 2 : 279 ( المعارف ) . ( 2 ) غتني ، قال ابن الأثير : ( الغت والغط سواء ، كأنه أراد : عصرني عصرا شديدا حتى وجدت منه المشقة كما يجد من يغمس في الماء قهرا . النهاية 3 : 149 .