ابن أبي الحديد

205

شرح نهج البلاغة

أهلي في بطن واد مع أتراب لي من الصبيان ، نتقاذف بالجلة ، إذا أتاني رهط ثلاثة ، معهم طشت من ذهب مملوءة ثلجا ، فأخذوني من بين أصحابي ، فخرج أصحابي هرابا حتى انتهوا إلى شفير الوادي ، ثم عادوا إلى الرهط ، فقالوا ما أربكم إلى هذا الغلام ، فإنه ليس منا هذا ابن سيد قريش ، وهو مسترضع فينا ، غلام يتيم ليس له أب ، فما ذا يرد عليكم قتله وما ذا تصيبون من ذلك ولكن إن كنتم لا بد قاتليه ، فاختاروا منا أينا شئتم فاقتلوه مكانه ، ودعوا هذا الغلام ، فإنه يتيم . فلما رأى الصبيان أن القوم لا يحيرون لهم جوابا ، انطلقوا هرابا مسرعين إلى الحي يؤذنونهم ويستصرخونهم على القوم ، فعمد أحدهم ، فأضجعني اضجاعا لطيفا ، ثم شق ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي ، وانا انظر إليه فلم أجد لذلك حسا ، ثم اخرج بطني فغسلها بذلك الثلج ، فأنعم غسلها ، ثم أعادها مكانها ، ثم قام الثاني منهم ، فقال لصاحبه تنح ، فنحاه عنى ، ثم ادخل يده في جوفي ، واخرج قلبي ، وانا انظر إليه فصدعه ثم اخرج منه مضغة سوداء فرماها ، ثم قال بيده يمنة ( 1 ) منه وكأنه ( 2 ) يتناول شيئا ، فإذا في يده خاتم من نور ، تحار ابصار الناظرين دونه ، فختم به قلبي ، ثم أعاده مكانه فوجدت برد ذلك الخاتم في قلبي دهرا ، ثم قال الثالث لصاحبه تنح عنه ، فامر يده ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي ، فالتام ذلك الشق ، ثم اخذ بيدي فأنهضني من مكاني إنهاضا لطيفا ، وقال للأول الذي شق بطني زنه بعشرة من أمته ، فوزنني بهم فرجحتهم ، فقال دعوه ، فلو وزنتموه بأمته كلها لرجحهم ، ثم ضموني إلى صدرهم ، وقبلوا رأسي وما بين عيني ، وقالوا يا حبيب الله ، لا ترع ، انك لو تدرى ما يراد بك من الخير لقرت عيناك فبينا انا كذلك إذا انا بالحي قد جاءوا بحذافيرهم ، وإذا أمي - وهي

--> ( 1 ) في الأصول : ( نميه ) تصحيف . ( 2 ) الطبري : ( وكأنه ) .