ابن أبي الحديد
203
شرح نهج البلاغة
صاحبي حين أصبحنا أتعلمين ( 1 ) والله يا حليمة لقد اخذت نسمة مباركة ، فقلت والله انى لأرجو ذلك ، ثم خرجنا وركبت أتاني تلك ، وحملته معي عليها ، فوالله لقطعت بالركب ما يقدر عليها شئ من حميرهم ( 2 ) حتى إن صواحبي ليقلن لي ويحك يا بنت أبي ذؤيب اربعي ( 3 ) علينا ، أليس هذه أتانك التي كنت خرجت عليها فأقول لهن بلى والله ، انها لهي ، فيقلن والله إن لها لشأنا . قالت ثم قدمنا منازلنا من بلاد بنى سعد - وما اعلم أرضا من ارض العرب أجدب منها - فكانت غنمي تروح على حين قدمنا به معنا شباعا ملأى ( 4 ) لبنا ، فكنا نحتلب ونشرب ، وما يحلب انسان قطرة لبن ، ولا يجدها في ضرع ، حتى إن الحاضر من قومنا ليقولون لرعاتهم ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعى ابنة أبى ذؤيب فيفعلون ، فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة ، وتروح غنمي شباعا لبنا ، فلم نزل نعرف من الله الزيادة والخير به حتى مضت سنتاه وفصلته ، فكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان [ فلم يبلغ سنتيه ] ( 5 ) ، حتى كان غلاما جفرا ( 6 ) ، فقدمنا به على أمه آمنة بنت وهب ، ونحن أحرص شئ على مكثه فينا ، لما كنا نرى من بركته ، فكلمنا أمه ، وقلنا لها لو تركته عندنا حتى يغلظ فانا نخشى عليه ( 7 ) وباء مكة ، فلم نزل بها حتى ردته معنا . فرجعنا به إلى بلاد بنى سعد ، فوالله انه لبعد ما قدمنا بأشهر مع أخيه في بهم ( 8 ) لنا خلف بيوتنا ، إذ أتانا أخوه يشتد ، فقال لي ولأبيه ها هو ذاك أخي القرشي ، قد جاءه
--> ( 1 ) ابن هشام : ( تعلمي ) . ( 2 ) ابن هشام : ( حمرهم ) . ( 3 ) اربعي علينا ، اي أقيمي وانتظري ، يقال : ربع فلان على فلان ، إذا أقام عليه وانتظره . ( 4 ) ابن هشام : ( لبنا ) بالتشديد ، اي غزيرات اللبن . ( 5 ) من ابن هشام . ( 6 ) جفرا ، اي قويا شديدا . ( 7 ) الوباء ، مهموز ومقصور : كثرة الأمراض والموت . ( 8 ) البهم : الصغار من الغنم ، واحدها بهمة .