ابن أبي الحديد

19

شرح نهج البلاغة

افترقت لأنها تولدت من أغذية مختلفه المنبت من العذوبة والملوحة ، وذلك لان النطفة لا تتولد من غذاء بعينه ، بل من مجموع الأغذية ، وتلك الأغذية لا يمكن أن تكون كلها من ارض سبخة محضة في السبخية ، لان هذا من الاتفاقات التي يعلم عدم وقوعها ، كما يعلم أنه لا يجوز أن يتفق أن يكون أهل بغداد في وقت بعينه على كثرتهم لا يأكلون ذلك اليوم الا السكباج خاصة ، وأيضا فان الأرض السبخة ، أو التي الغالب عليها السبخية ، لا تنبت الأقوات أصلا وان أريد الثاني ، وهو أن يكون طين آدم عليه السلام مختلطا في جوهره ، مختلفا في طبائعه ، فلم كان زيد الأحمق يتولد من الجزء السبخي وعمرو العاقل يتولد من الجزء العذبي وكيف يؤثر اختلاف طين آدم من ستة آلاف سنه في أقوام يتوالدون الان . والذي أراه إن لكلامه عليه السلام تأويلا باطنا ، وهو أن يريد به اختلاف النفوس المدبرة للأبدان ، وكنى عنها بقوله " مبادئ طينهم " ، وذلك انها لما كانت الماسكة للبدن من الانحلال ، العاصمة له من تفرق العناصر ، صارت كالمبدأ وكالعلة له من حيث إنها كانت علة في بقاء امتزاجه واختلاط عناصره بعضها ببعض ، ولذلك إذا فارقت عند الموت افترقت العناصر ، وانحلت الاجزاء ، فرجع اللطيف منها إلى الهواء ، والكثيف إلى الأرض . وقوله " كانوا فلقة من سبخ ارض وعذبها وحزن تربة وسهلها " تفسيره أن البارئ جل جلاله لما خلق النفوس ، خلقها مختلفة في ماهيتها ، فمنها الزكية ومنها الخبيثة ، ومنها العفيفة ومنها الفاجرة ، ومنها القوية ومنها الضعيفة ، ومنها الجريئة المقدمة ، ومنها الفشلة الذليلة ( 1 ) ، إلى غير ذلك من أخلاق ( 2 ) النفوس المختلفة المتضادة . ثم فسر عليه السلام وعلل تساوى قوم في الأخلاق وتفاوت آخرين فيها فقال :

--> ( 1 ) ساقطة من ا . ( 2 ) ا : " اختلاف " .