ابن أبي الحديد
189
شرح نهج البلاغة
وقد استدل قاضى القضاة أيضا عن صحه امامة أبى بكر ; وأسند هذا الاستدلال إلى شيخنا أبى على بقوله تعالى ( سيقول لك المخلفون من الاعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ) ( 1 ) وقال تعالى ( فان رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي ابدا ولن تقاتلوا معي عدوا انكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين ) ( 2 ) ، وقال تعالى ) ( سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل ) ( 3 ) ، يعنى قوله تعالى ( لن تخرجوا معي ابدا ولن تقاتلوا معي عدوا ) ثم قال سبحانه ( قل للمخلفين من الاعراب ستدعون إلى قوم أولي باس شديد تقاتلونهم أو يسلمون * فان تطيعوا يؤتكم الله اجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما ) ( 4 ) ، فبين أن الذي يدعو هؤلاء المخلفين من الاعراب إلى قتال قوم أولي باس شديد غير النبي صلى الله عليه وآله ، لأنه تعالى قد بين انهم لا يخرجون معه ولا يقاتلون معه عدوا ، بآية متقدمة ، ولم يدعهم بعد النبي صلى الله عليه وآله إلى قتال الكفار الا أبو بكر وعمر وعثمان ، لان أهل التأويل لم يقولوا في هذه الآية غير وجهين من التأويل ، فقال بعضهم عنى بقوله ( ستدعون إلى قوم أولي باس شديد ) بنى حنيفة ، وقال بعضهم عنى فارس والروم ، وأبو بكر هو الذي دعا إلى قتال بنى حنيفة وقتال آل فارس والروم ، ودعاهم بعده إلى قتال فارس والروم عمر ، فإذا كان الله تعالى قد بين انهم بطاعتهم لهما يؤتهم اجرا حسنا ، وان تولوا عن طاعتهما يعذبهم عذابا أليما ، صح انهما على حق ، وأن طاعتهما طاعة لله تعالى وهذا يوجب صحة إمامتهما .
--> ( 1 ) سورة الفتح 11 . ( 2 ) سورة التوبة 83 . ( 3 ) سورة الفتح 15 . ( 4 ) سورة الفتح 16 .