ابن أبي الحديد
188
شرح نهج البلاغة
فيقتلون ) ، وإنما ذكر الجهاد فقط ، وقد كان الجهاد من أولئك النفر حاصلا وان لم يبلغوا الغرض ، كما كان الجهاد حاصلا عند حصار الطائف وإن لم يبلغ فيه الغرض . وقد كان له أيضا أن يقول سياق الآية لا يدل على ما ظنه المستدل بها ; من أنه من يرتدد عن الدين ، فان الله يأتي بقوم يحبهم ويحبونه يحاربونه لأجل ردته ، وإنما الذي يدل عليه سياق الآية انه من يرتد منكم عن دينه بترك الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وآله - وسماه ارتدادا على سبيل المجاز - فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ، يجاهدون في سبيل الله معه عوضا عنكم ، وكذلك كان كل من خذل النبي صلى الله عليه وآله وقعد عن النهوض معه في حروبه ، أغناه الله تعالى عنه بطائفة أخرى من المسلمين جاهدوا بين يديه . واما قول المرتضى رحمه الله انها أنزلت في الناكثين والقاسطين والمارقين الذين حاربهم أمير المؤمنين عليه السلام فبعيد ، لأنهم لا يطلق عليهم لفظ ( الردة ) عندنا ، ولا عند المرتضى وأصحابه ، اما اللفظ فبالاتفاق وان سموهم كفارا . واما المعنى فلان في مذهبهم إن من ارتد - وكان قد ولد على فطرة الاسلام - بانت امرأته منه ، وقسم ماله بين ورثته ، وكان على زوجته عده المتوفى عنها زوجها ; معلوم أن أكثر محاربي أمير المؤمنين عليه السلام كانوا قد ولدوا في الاسلام ، ولم يحكم فيهم بهذه الأحكام . وقوله ( إن الصفات غير متحققة في صاحبكم ) ، فلعمري أن حظ أمير المؤمنين عليه السلام منها هو الحظ الأوفى ، ولكن الآية ما خصت الرئيس بالصفات المذكورة ، وإنما أطلقها على المجاهدين ، هم الذين يباشرون الحرب ، فهب إن أبا بكر وعمر ما كانا بهذه الصفات ، لم لا يجوز أن يكون مدحا لمن جاهد بين أيديهما من المسلمين ، وباشر الحرب ، وهم شجعان المهاجرين والأنصار الذين فتحوا الفتوح ، ونشروا الدعوة ، وملكوا الأقاليم .