ابن أبي الحديد
187
شرح نهج البلاغة
على وجه الطف وأحسن وأصح مما ذكره ، فيقول المراد بها من ارتد على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله في واقعة الأسود العنسي باليمن ، فان كثيرا من المسلمين ضلوا به وارتدوا عن الاسلام ، وادعوا له النبوة ، واعتقدوا صدقه ، والقوم الذين يحبهم الله ويحبونه القوم الذين كاتبهم رسول الله صلى الله عليه وآله وأغراهم بقتله ، والفتك به ، وهم فيروز الديلمي وأصحابه والقصة مشهورة . وقد كان له أيضا أن يقول لم قلت إن الذين قاتلهم أبو بكر وأصحابه كانوا مرتدين فان المرتد من ينكر دين الاسلام بعد أن كان قد تدين به ، والذين منعوا الزكاة لم ينكروا أصل دين الاسلام ، وإنما تأولوا فأخطأوا ; لأنهم تأولوا قول الله تعالى ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم ) ( 1 ) ; فقالوا إنما ندفع زكاة أموالنا إلى من صلاته سكن لنا ، ولم يبق بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله من هو بهذه الصفة ، فسقط عنا وجوب الزكاة ، ليس هذا من الردة في شئ ، وإنما سماهم الصحابة أهل الردة على سبيل المجاز ، اعظاما لما قالوه وتأولوه . فان قيل إنما الاعتماد على قتال أبى بكر وأصحابه لمسيلمة وطليحة اللذين ادعيا النبوة ، وارتد بطريقهما كثير من العرب ، لا على قتال مانعي الزكاة . قيل إن مسيلمة وطليحة جاهدهما رسول الله صلى الله عليه وآله قبل موته بالكتب والرسل ، وأنفذ لقتلهما جماعة من المسلمين ، وأمرهم أن يفتكوا بهما غيلة إن أمكنهم ذلك ; واستنفر عليهما قبائل من العرب ، وكل ذلك مفصل مذكور في كتب السيرة والتواريخ ، فلم لا يجوز أن يكون أولئك النفر الذين بعثهم رسول الله صلى الله عليه وآله للفتك بهما ، هم المعنيون بقوله ( يحبهم ويحبونه ) إلى آخر الآية ولم يقل في الآية ( يجاهدون
--> ( 1 ) سورة التوبة 103 .