ابن أبي الحديد
186
شرح نهج البلاغة
نراعيها ، لنعلم أفي صاحبنا هي أم في صاحبك وقد جعله الرسول صلى الله عليه وآله في خيبر حين فر من فر من القوم عن العدو صاحب هذه الأوصاف ، فقال لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ، كرارا غير فرار ; فدفعها إلى أمير المؤمنين عليه السلام . ثم قوله تعالى ( أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ) ( 1 ) ، يقتضى ما ذكرنا ، لأنه من المعلوم بلا خلاف حال أمير المؤمنين عليه السلام في التخاشع والتواضع ، وذم نفسه ، وقمع غضبه ، وانه ما رئي قط طائشا ولا متطيرا في حال من الأحوال ، ومعلوم حال صاحبيكم في هذا الباب ، اما أحدهما فإنه اعترف طوعا بان له شيطانا يعتريه عند غضبه ، واما الاخر فكان معروفا بالجد والعجلة ، مشهورا بالفظاظة والغلظة ، واما العزة على الكافرين ، فإنما تكون بقتالهم وجهادهم والانتقام منهم ، وهذه حال لم يسبق أمير المؤمنين عليه السلام إليها سابق ، ولا لحقه فيها لاحق . ثم قال تعالى ( يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ) ( 1 ) ، وهذا وصف أمير المؤمنين المستحق له بالاجماع ، وهو منتف عن أبي بكر وصاحبه اجماعا ، لأنه لا قتيل لهما في الاسلام ، ولا جهاد بين يدي الرسول صلى الله عليه وآله ، وإذا كانت الأوصاف المراعاة في الآية حاصلة لأمير المؤمنين عليه السلام ، وغير حاصلة لمن ادعيتم ، لأنها فيهم على ضربين ضرب معلوم انتفاؤه كالجهاد ، وضرب مختلف فيه كالأوصاف التي هي غير الجهاد ، وعلى من أثبتها لهم الدلالة على حصولها ، ولا بد أن يرجع في ذلك إلى غير ظاهر الآية ، لم يبق في يده من الآية دليل . هذه جملة ما ذكره المرتضى رحمه الله ، ولقد كان يمكنه التخلص من الاحتجاج بالآية
--> ( 1 ) سورة المائدة 54 .