ابن أبي الحديد
162
شرح نهج البلاغة
وقد روى أن الكعبة أنزلت من السماء وهي ياقوتة أو لؤلؤة ; على اختلاف الروايات وانها بقيت على تلك الصورة إلى أن فسدت الأرض بالمعاصي أيام نوح ، وجاء الطوفان فرفع البيت ، وبنى إبراهيم هذه البنية على قواعده القديمة . وروى أبو جعفر ، عن وهب بن منبه أن آدم دعا ربه فقال يا رب اما لأرضك هذه عامر يسبحك ويقدسك فيها غيري فقال الله انى سأجعل فيها من ولدك من يسبح بحمدي ويقدسني ، وسأجعل فيها بيوتا ترفع لذكرى ، يسبحني فيها خلقي ، ويذكر فيها اسمي ، وسأجعل من تلك البيوت بيتا اختصه بكرامتي ، وأوثره باسمي ، فأسميه بيتي ، وعليه وضعت جلالتي وخصصته بعظمتي ، وانا مع ذلك في كل شئ ، اجعل ذلك البيت حرما آمنا يحرم بحرمته من حوله ، ومن تحته ، ومن فوقه فمن حرمه بحرمتي استوجب كرامتي ، ومن أخاف أهله فقد أباح حرمتي ، واستحق سخطي ، واجعله بيتا مباركا يأتيه بنوك شعثا غبرا على كل ضامر من كل فج عميق ، يرجون بالتلبية رجيجا ، ويعجون بالتكبير عجيجا ، من اعتمده لا يريد غيره ، ووفد إلى وزارني واستضاف بي ، أسعفته بحاجته ; وحق على الكريم أن يكرم وفده وأضيافه ; تعمره يا آدم ما دمت حيا ، ثم تعمره الأمم والقرون والأنبياء من ولدك أمة بعد أمة ، وقرنا بعد قرن . قال ثم أمر آدم أن يأتي إلى البيت الحرام الذي اهبط له إلى الأرض فيطوف به كما كان يرى الملائكة تطوف حول العرش ، وكان البيت حينئذ من درة أو من ياقوتة ، فلما أغرق الله تعالى قوم نوح رفعه ، وبقى أساسه فبوأه الله لإبراهيم فبناه .