ابن أبي الحديد
161
شرح نهج البلاغة
والمجاهد جمع مجهدة ، وهي المشقة . وأبوابا فتحا أي مفتوحة وأسبابا ذللا ، أي سهلة . واعلم أن محصول هذا الفصل انه كلما كانت العبادة أشق كان الثواب عليها أعظم ، ولو أن الله تعالى جعل العبادات سهلة على المكلفين لما استحقوا عليها من الثواب الا قدرا يسيرا ، بحسب ما يكون فيها من المشقة اليسيرة . فان قلت فهل كان البيت الحرام موجودا أيام آدم عليه السلام ، ثم أمر آدم وولده أن يثنوا أعطافهم نحوه قلت نعم هكذا روى أرباب السير وأصحاب التواريخ ; روى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في " تاريخه " عن ابن عباس ، أن الله تعالى أوحى إلى آدم لما أهبطه إلى الأرض إن لي حرما حيال عرشي ، فانطلق فابن لي بيتا فيه ثم طف به كما رأيت ملائكتي تحف بعرشي فهنالك استجيب دعاءك ودعاء من يحف به من ذريتك . فقال آدم انى لست أقوى على بنائه ، ولا اهتدى إليه ، فقيض الله تعالى له ملكا ، فانطلق به نحو مكة - وكان آدم في طريقه كلما رأى روضة أو مكانا يعجبه سال الملك أن ينزل به هناك ليبنى فيه ، فيقول الملك انه ليس هاهنا حتى أقدمه مكة - فبنى البيت من خمسة جبال طور سيناء ، وطور زيتون ، ولبنان ، والجودي ، وبنى قواعده من حراء . فلما فرغ خرج به الملك إلى عرفات ، فأراه المناسك كلها التي يفعلها الناس اليوم ، ثم قدم به مكة وطاف بالبيت أسبوعا ، ثم رجع إلى ارض الهند فمات . وروى الطبري في التاريخ أن آدم حج من ارض الهند إلى الكعبة أربعين حجة على رجليه .