ابن أبي الحديد
157
شرح نهج البلاغة
ولو أراد سبحانه أن يضع بيته الحرام ، ومشاعره العظام ، بين جنات وأنهار ، وسهل وقرار ، جم الأشجار ، دانى الثمار ، ملتف البنى ، متصل القرى ، بين برة سمراء ، وروضة خضراء ، وأرياف محدقة ، وعراص مغدقة ، وزروع ناضرة ، وطرق عامرة ، لكان قد صغر قدر الجزاء ، على حسب ضعف البلاء . ولو كان الأساس المحمول عليها ، والأحجار المرفوع بها ، من زمردة خضراء ، وياقوتة حمراء ، ونور وضياء ، لخفف ذلك مصارعة الشك في الصدور ، ولوضع مجاهدة إبليس عن القلوب ، ولنفى معتلج الريب من الناس . ولكن الله يختبر عباده بأنواع الشدائد ، ويتعبدهم بأنواع المجاهد ، ويبتليهم بضروب المكاره ، اخراجا للتكبر من قلوبهم ، واسكانا للتذلل في نفوسهم ، وليجعل ذلك أبوابا فتحا إلى فضله ، وأسبابا ذللا لعفوه . * * * الشرح : كانت المثوبة أي الثواب . وأجزل أكثر ، والجزيل العظيم ، وعطاء جزل وجزيل والجمع جزال ، وقد أجزلت له من العطاء ، أي أكثرت . وجعله للناس قياما ، أي عمادا ، وفلان قيام أهله ، أي يقيم شؤونهم ، ومنه قوله تعالى ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما ) ( 1 ) . وأوعر بقاع الأرض حجرا ، أي أصعبها ، ومكان وعر ، بالتسكين صعب المسلك أو المقام .
--> ( 1 ) سورة النساء 5 .