ابن أبي الحديد
156
شرح نهج البلاغة
فان قلت ما معنى قوله ( لكان ذلك أهون على الخلق في الاعتبار ، وابعد لهم من الاستكبار ) قلت أي لو كان الأنبياء كالملوك في السطوة والبطش ; لكان المكلف لا يشق عليه الاعتبار والانزجار عن القبائح مشقته عليه إذا تركه لقبحه لا لخوف السيف ، وكان بعد المكلفين عن الاستكبار والبغي لخوف السيف والتأديب أعظم من بعدهم عنهما إذا تركوهما لوجه قبحهما ، فكان يكون ثواب المكلف ; اما ساقطا ، واما ناقصا . * * * الأصل : وكلما كانت البلوى والاختبار أعظم ، كانت المثوبة والجزاء أجزل ; الا ترون أن الله سبحانه اختبر الأولين من لدن آدم صلى الله عليه وسلم إلى الآخرين من هذا العالم ; بأحجار لا تضر ولا تنفع ، ولا تبصر ولا تسمع ، فجعلها بيته الحرام الذي جعله الله للناس قياما ، ثم وضعه بأوعر بقاع الأرض حجرا ، وأقل نتائق الدنيا مدرا ، وأضيق بطون الأودية قطرا . بين جبال خشنة ، ورمال دمثة ، وعيون وشلة ، وقرى منقطعة ; لا يزكو بها خف ، ولا حافر ولا ظلف ، ثم أمر آدم عليه السلام وولده أن يثنوا أعطافهم نحوه ; فصار مثابة لمنتجع أسفارهم ، وغاية لملقى رحالهم ، تهوى إليه ثمار الأفئدة ، من مفاوز قفار سحيقة ، ومهاوي فجاج عميقة وجزائر بحار منقطعة حتى يهزوا مناكبهم ذللا ، يهللون لله حوله ، ويرملون على اقدامهم ، شعثا غبرا له ، قد نبذوا السرابيل وراء ظهورهم ، وشوهوا بإعفاء الشعور محاسن خلقهم ، ابتلاء عظيما ، وامتحانا شديدا ، واختبارا مبينا ، وتمحيصا بليغا ، جعله الله سببا لرحمته ، ووصله إلى جنته .