ابن أبي الحديد

155

شرح نهج البلاغة

الأصل : ولو كانت الأنبياء أهل قوة لا ترام ، وعزة لا تضام ، وملك تمد نحوه أعناق الرجال ، وتشد إليه عقد الرحال ; لكان ذلك أهون على الخلق في الاعتبار ، وابعد لهم من الاستكبار ، ولآمنوا عن رهبة قاهرة لهم ، أو رغبه مائلة بهم ، فكانت النيات مشتركة ، والحسنات مقتسمة ; ولكن الله سبحانه أراد أن يكون الاتباع لرسله ، والتصديق بكتبه ، والخشوع لوجهه ، والاستكانة لامره ، والاستسلام لطاعته ، أمورا له خاصة ، لا يشوبها من غيرها شائبة . * * * الشرح : تمد نحوه أعناق الرجال ، أي لعظمته ; أي يؤمله المؤملون ويرجوه الراجون ، وكل من امل شيئا فقد طمح ببصره إليه معنى لا صورة ، فكنى عن ذلك بمد العنق . وتشد إليه عقد الرحال يسافر أرباب الرغبات إليه ، يقول لو كان الأنبياء ملوكا ذوي باس وقهر لم يمكن ايمان الخلق وانقيادهم إليهم ، لان الايمان في نفسه واجب عقلا ، بل كان لرهبة لهم أو رغبة ، فيهم فكانت النيات مشتركة هذا فرض سؤال وجواب عنه كأنه قال لنفسه لم لا يجوز أن يكون ايمانهم على هذا التقدير لوجوبه ، ولخوف ذلك النبي ، أو لرجاء نفع ذلك النبي صلى الله عليه وآله فقال لان النيات تكون حينئذ مشتركة ، أي يكون المكلف قد فعل الايمان لكلا الامرين وكذلك تفسير قوله ( والحسنات مقتسمة ) قال ولا يجوز أن تكون طاعة الله تعالى تعلو الا لكونها طاعة له لا غير ، ولا يجوز أن يشوبها ويخالطها من غيرها شائبة .