ابن أبي الحديد

152

شرح نهج البلاغة

ثم نهى أن يعتبر رضا الله وسخطه بما نراه من اعطائه الانسان مالا وولدا ; فان ذلك جهل بمواقع الفتنة والاختبار . وقوله تعالى ( أيحسبون . . ) ، الآية دليل على ما قاله عليه السلام ، والأدلة العقلية أيضا دلت على أن كثيرا من الآلام والغموم والبلوى إنما يفعله الله تعالى للألطاف والمصالح . وما الموصولة في الآية يعود إليها محذوف ومقدر لا بد منه ; والا كان الكلام غير منتظم ، وغير مرتبط بعضه ببعض ، وتقديره نسارع لهم في الخيرات . * * * الأصل : فان الله سبحانه يختبر عباده المستكبرين في أنفسهم ; بأوليائه المستضعفين في أعينهم ; ولقد دخل موسى بن عمران ومعه أخوه هارون صلى الله عليهما على فرعون وعليهما مدارع الصوف ، وبأيديهما العصى فشرطا له - إن أسلم - بقاء ملكه ، ودوام عزه ; فقال الا تعجبون من هذين يشرطان لي دوام العز ، وبقاء الملك ; وهما بما ترون من حال الفقر والذل فهلا ألقى عليهما أساورة من ذهب ; اعظاما للذهب وجمعه ، واحتقارا للصوف ولبسه . ولو أراد الله سبحانه لأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذهبان ، ومعادن العقيان ، ومغارس الجنان ، وأن يحشر معهم طيور السماء ، ووحوش الأرضين ، لفعل ، ولو فعل لسقط البلاء ، وبطل الجزاء ، واضمحلت الانباء ، ولما وجب للقابلين أجور المبتلين ، ولا استحق المؤمنون ثواب المحسنين ، ولا لزمت الأسماء معانيها ، ولكن الله سبحانه جعل رسله أولي قوة في عزائمهم ، وضعفة فيما