ابن أبي الحديد
133
شرح نهج البلاغة
قال ( ونفيا للاستكبار عنهم ) ; لان العبادات خضوع وخشوع وذلة ، ففيها نفى الخيلاء والتكبر عن فاعليها ، فأمرهم بالاعتبار بحال إبليس الذي عبد الله ستة آلاف سنة ; لا يدرى امن سنى الدنيا أم من سنى الآخرة وهذا يدل على أنه قد سمع فيه نصا من رسول الله صلى الله عليه وآله مجملا لم يفسره له ، أو فسره له خاصة ، ولم يفسره أمير المؤمنين عليه السلام للناس لما يعلمه في كتمانه عنهم من المصلحة . فان قلت قوله ( لا يدرى ) على ما لم يسم فاعله يقتضى انه هو لا يدرى قلت إنه لا يقتضى ذلك ، ويكفي في صدق الخبر إذا ورد بهذه الصيغة أن يجهله الأكثرون . فاما القول في سنى الآخرة كم هي فاعلم أنه قد ورد في الكتاب العزيز آيات مختلفات : إحداهن قوله ( تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين الف سنة ) ( 1 ) . والأخرى قوله ( يدبر الامر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره الف سنة مما تعدون ) ( 2 ) . والثالثة قوله ( وان يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ) ( 3 ) . وأولى ما قيل فيها أن المراد بالآية الأولى مدة عمر الدنيا ، وسمى ذلك يوما ، وقال إن الملائكة لا تزال تعرج إليه باعمال البشر طول هذه المدة حتى ينقضي التكليف ، وينتقل الامر إلى دار أخرى . واما الآيتان الأخيرتان فمضمونهما بيان كمية أيام الآخرة ، وهو أن كل يوم منها مثل الف سنة من سنى الدنيا .
--> ( 1 ) سورة المعراج 4 . ( 2 ) سورة السجدة 5 . ( 3 ) سورة الحج 47 .