ابن أبي الحديد
110
شرح نهج البلاغة
( 236 ) الأصل : ومن خطبة له عليه السلام : أحمده شكرا لإنعامه ، وأستعينه على وظائف حقوقه ، عزيز الجند ، عظيم المجد ، واشهد أن محمدا عبده ورسوله ، دعا إلى طاعته ، وقاهر أعداءه ، جهادا عن دينه ، لا يثنيه عن ذلك اجتماع على تكذيبه ، والتماس لاطفاء نوره . فاعتصموا بتقوى الله ; فان لها حبلا وثيقا عروته ، ومعقلا منيعا ذروته . وبادروا الموت وغمراته ، وامهدوا له قبل حلوله ، واعدوا له قبل نزوله ، فان الغاية القيامة ; وكفى بذلك واعظا لمن عقل ، ومعتبرا لمن جهل . وقبل بلوغ الغاية ما تعلمون من ضيق الأرماس ، وشده الإبلاس ، وهول المطلع ، وروعات الفزع ، واختلاف الأضلاع ، واستكاك الاسماع ، وظلمة اللحد ، وخيفة الوعد ، وغم الضريح ، وردم الصفيح . فالله الله عباد الله فان الدنيا ماضية بكم على سنن ، وأنتم والساعة في قرن ، وكأنها قد جاءت بأشراطها ، وأزفت بأفراطها ، ووقفت بكم على صراطها . وكأنها قد أشرفت بزلازلها ، وأناخت بكلاكلها ، وانصرفت الدنيا بأهلها ، وأخرجتهم من حضنها ، فكانت كيوم مضى ، وشهر انقضى ، وصار جديدها رثا ، وسمينها غثا . في موقف ضنك المقام ، وأمور مشتبهة عظام ، ونار شديد كلبها ، عال لجبها ، ساطع لهبها ، متغيظ زفيرها ، متأجج سعيرها ، بعيد خمودها ، ذاك وقودها ، مخوف