ابن أبي الحديد

107

شرح نهج البلاغة

[ قصة وقعت لأحد الوعاظ ببغداد ] وعلى ذكر قوله عليه السلام ( سلوني ) ، حدثني من أثق به من أهل العلم حديثا ، وإن كان فيه بعض الكلمات العامية ، الا انه يتضمن ظرفا ولطفا ، ويتضمن أيضا أدبا . قال كان ببغداد في صدر أيام الناصر لدين الله أبى العباس أحمد بن المستضئ بالله ، واعظ مشهور بالحذق ومعرفة الحديث والرجال ، وكان يجتمع إليه تحت منبره خلق عظيم من عوام بغداد ومن فضلائها أيضا ، وكان مشتهرا بذم أهل الكلام وخصوصا المعتزلة وأهل النظر ، على قاعدة الحشوية ، ومبغضي أرباب العلوم العقلية ، وكان أيضا منحرفا عن الشيعة برضا العامة بالميل عليهم ، فاتفق قوم من رؤساء الشيعة على أن يضعوا عليه من يبكته ويسأله تحت منبره ، ويخجله ويفضحه بين الناس في المجلس ، وهذه عادة الوعاظ ; يقوم إليهم قوم فيسألونهم مسائل يتكلفون الجواب عنها ، وسألوا عمن ينتدب لهذا ، فأشير عليهم بشخص كان ببغداد يعرف بأحمد بن عبد العزيز الكزي ، كان له لسن ، ويشتغل بشئ يسير من كلام المعتزلة ، ويتشيع ، وعنده قحة ، وقد شدا أطرافا من الأدب ، وقد رأيت انا هذا الشخص في آخر عمره ، وهو يومئذ شيخ والناس يختلفون إليه في تعبير الرؤيا ، فاحضروه وطلبوا إليه أن يعتمد ذلك ، فأجابهم ، وجلس ذلك الواعظ في يومه الذي جرت عادته بالجلوس فيه ، واجتمع الناس عنده على طبقاتهم ، حتى امتلأت الدنيا بهم ، وتكلم على عادته فأطال ، فلما مر في ذكر صفات البارئ سبحانه في أثناء الوعظ ، قام إليه الكزي ، فسأله أسئلة عقلية ، على منهاج كلام المتكلمين من المعتزلة ، فلم يكن للواعظ عنها جواب نظري ، وإنما دفعه بالخطابة والجدل ، وسجع الألفاظ ; وتردد الكلام بينهما طويلا ، وقال الواعظ في آخر الكلام أعين المعتزلة حول ، وصوتي