فوزي آل سيف

48

الإمام المهدي : عدالة منتظرة ومسسؤولية حاضرة

لقد رأينا أن من علامات الفضيحة عند بعض أدعياء المهدوية هو أنهم لا يتقنون من العلم الديني شيئا مهما ، ولهذا فإنهم أول ما يأتون يحاولون إقناع الناس أن هذه العلوم علوم ضلالة ، فعلم أصول الفقه عندهم جهل ، وعلم الرجال باطل ، والاستدلال غير صحيح ، وما ذاك إلا لأنّ من السهل كشف ( أميتهم ) في هذه العلوم . بل كما ذكرنا مفاد حديث المعصومين أن العلم ـ حتى الطبيعي منه ـ يكون في زمان الإمام وعلى يده غاية في التطور ويتضاعف أضعافا مضاعفة ، بحيث يكون ما قطعته البشرية من مسيرة العلم بالقياس إلى ما سيكون عليه العلم في عهده أشبه ببركة سباحة قياسا إلى البحر المحيط . الثاني الاعتماد على الأحلام والاستخارات: وقد لاحظنا عند استعراض بعض الادعاءات الكاذبة كيف أن رجالها كانوا يعتمدون اعتمادا كبيرا على المنام والرؤى والأحلام .. وهذه كما عليه الرأي الصحيح عند المسلمين لا تصلح لتكون دليلا شرعيا على مستحب من المستحبات[130] ، وفي مسألة الأذان وتشريعه مع أنه مستحب من المستحبات ، ينفي الامام الصادق عليه السلام الرواية التي تنقلها مصادر مدرسة الخلفاء من أن صورة الأذان قد شرعت عبر رؤيا رآها أحد أصحاب النبي ، فيقول بشكل جازم "كذبوا " ثم يقرر قاعدة عامة أن الدين لا يمكن أن تكون تشريعاته من خلال المنام والأحلام ويقول " فإنّ دين الله عزّ وجل أعز من أن يرى في النوم".[131] فإذا كان أمر مستحب لا يتم تشريعه من خلال المنام ، أ فهل ترى أن قضية عقدية في الدرجة العليا من الاهمية، وتشابه في ذلك ثبوت نبوة شخص عن الله ، أفهل تراها تثبت برؤيا منامية ؟ وضمن نفس المسار في إبعاد الحالة العلمية والتعقلية ، فإن هؤلاء لا يكتفون بهذا المقدار من تغييب المقاييس الصحيحة في معرفة الأفكار والدعوات ، وإنما يضيفون إلى ذلك ممارسة أخرى وهي الاعتماد على الاستخارات لاتخاذ قرار بتصحيح طريقة أصحاب هذه الدعوات والانضمام إليهم !! متجاهلين ـ مع سبق الاصرار ـ أنه لو فتح هذا الباب على مستوى العقائد لكان الأمر مشكلا غاية الاشكال ، فلو جاء مسيحي في بلاد المسلمين وطلب منهم أن يستخيروا على أن ينضموا إلى المسيحية ويتركوا الاسلام ، إذا وافقت الخيرة الايجاب ! ويتركوا ذلك لو جاءت بالسلب! هل سيكون هذا صحيحا ؟ فإنه لو استخار من هؤلاء الناس 100 شخص ، وجاءت الخيرة موافقة بـ 30 ، فهو رابح على كل حال . وما نحن فيه هو من هذا القبيل ، فإن بعض هذه الحركات تطلب من الشخص أن يفكر في الأمر فإذا رأى أحدا في المنام ( يلبس عمامة خضراء وهو من أبناء الأربعين وعليه هالة نور ..) يخبره عن المهدي ، فهذا علامة صحة دعواهم ، وهم هنا يرسمون مسارا في لا وعيه ولوحة يصممونها ويخزنونها لكي تنساب بهدوء عندما يخلد إلى النوم حيث انشغل فكره بها .. فيأتي في اليوم الثاني مصدقا لما قالوه ! وإذا لم ير شيئا أو رأى شيئا مخالفا لذلك ، فإنهم يطلبون منه الاستخارة على الانضمام إليهم ، وبالفعل يستخير ، وهم في الربح ولن يخسروا شيئا فإن احتمال أن تأتي الاستخارة بالايجاب مساو لاحتمال السلب ، فإن جاء الأول ربحوا عنصرا جديدا وإن كان الثاني فلم يخسروا شيئا ! لقد ذكرنا في موضع آخر أن الثابت من الاستخارة؛ هو ما يرتبط بالأفعال المباحة التي لا يقترن بها حكم الزامي ( وجوبا أو تحريما ) بل حتى الاستحبابي في بعض وجوهه ، فلا يجوز أن يستخير الانسان على أن يصلي أو أن يؤمن بالله أو أن يفعل حراما، أو أن يتبع شخصا على

--> 130 ) بالطبع لا بد من استثناء رؤى الأنبياء والمرسلين ، كنبي الله ابراهيم ، ويوسف ، 131 ) الكافي 3/ 482