فوزي آل سيف

32

الإمام المهدي : عدالة منتظرة ومسسؤولية حاضرة

معنى الرواية التي تقول: (وأما وجه انتفاع الناس بي في غيبتي فكالشمس إذا جللها عن الأنظار السحاب)[97]. ويمكن لأصحاب هذا الاتجاه أن يقولوا ـ ردا على استغراب واستنكار الارتباط بين وجود النبي أو الامام وبين ثبات الأرض ـ: بأن عدم معرفتنا بكيفية ذلك لا يعني عدم وجوده، فنحن لا نعرف كيف هي أدوار الملائكة في هذا الكون.. وكيف تتصرف في الطبيعة، مع أن القرآن أثبت ذلك والروايات، وعليه رأي المسلمين وأنهم قد كلفوا بأدوار مختلفة ومتعددة فيه.. وتفسر الآيات الواردة في سورة الذاريات بهذا: (فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا). لا سيما وأن هناك أسبابا في الكون لا نعلم حقيقتها كالجاذبية، وخاصية الالتصاق في الاشياء، وحقيقة الماء التي بها يصير كل شيء حي (ولا توجد في غيره من السوائل بالرغم من سيولته) بحيث لو أن شيئا منها انهدم لانهدم الكون، ومثلما أن الروح التي لا نعلم ما هي، لو خرجت من البدن انتهت الحياة، ولا نعرف أيا منها، ولا نعرف كيفية هذا الارتباط وإنما نعرف آثارها. فكذلك لا نعرف كيفية ارتباط النبي والامام بالكون.. كالشمس إذا جللها السحاب: يلاحظ أن الروايات التي تم السؤال فيها عن فائدة ومنفعة الامام المهدي حال غيبته، قد شبهت بتشبيه واحد وهو أن فائدته فائدة الشمس وإن تجللها السحاب وغطاها. ويمكن أن يكون هناك عدة أوجه لهذا التشبيه، منها: 1 ـ الشمس مركز المنظومة الشمسية.. وفيما يرتبط بدوران الكواكب حولها، وارتباطها بالشمس فإن وجود السحاب قد يمنع شيئا من الضوء عن بعض أجزاء الأرض إلا أنه لا يؤثر قطعا على علاقة الكواكب بالشمس، ومركزية الشمس بالنسبة لها.. وكذلك تكون غيبة الامام عليه السلام. فهي وإن أثرت على ما فيه حاجة الناس للاتصال المباشر كقضايا الأحكام وشبهها، إلا أنها لا تؤثر على بقية أدواره، ولا سيما وجوده المبارك في كونه واسطة الفيض الالهي، وثبات الأرض التكويني، بالنحو الذي يذهب إليه الرأي الثاني. 2ـ بل حتى بحسب الارتباط بالأرض فإن هناك آثارا كثيرة لشروق الشمس على الأرض وأهلها، منها ما يتأثر بتغطية السحاب للشمس، كالاضاءة والاستنارة، ومنها ما لا يتأثر. 2ـ قيام الحجة لله على الخلق : قضت سنة الله في خلقه أن يبعث لهم الحجج، لهدايتهم لسبيل الحياة الكريمة، والفوز بالنعيم في الآخرة، ولتكون الحجة البالغة لله عزوجل على الخلق، لو تخلفوا عن طاعته (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)[98]، وقد عبرت الروايات عن ذلك بنصوص كثيرة[99]، كما أقام علماء الكلام أدلتهم العقلية على ذلك.

--> 97 ) خلفيات مأساة الزهراء 1/215 98 ) النساء 1665 99 ) منها ما في الكافي: ما عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال: والله ما ترك الله أرضا منذ قبض آدم عليه السلام إلا وفيها إمام يهتدي به إلى الله وهو حجته على عباده، ولا تبقى الأرض بغير إمام حجة لله على عباده.. وأنه لو لم يبق في الارض إلا رجلان لكان أحدهما الحجة.. وقد تقدم بعضها في عنوان (لولا الحجة لساخت الأرض): الفساد التشريعي.