فوزي آل سيف
13
الإمام المهدي : عدالة منتظرة ومسسؤولية حاضرة
الأمر الأول : التفريق بين الامامة الالهية وبين التصرف الظاهري ؛ فهما شيئان .. وقد عبر عن هذه الحقيقة الخواجة[39] نصير الدين الطوسي[40]، حيث قال في كتابه ( تجريد الاعتقاد )[41] في شأن الامامة والتصرف الخارجي للإمام ، قال ( وجود الامام لطف وتصرفه لطف اخر.[42] وبعبارة أخصر أن نصب الامام لطف الهي وتصرفه الظاهري وقيادته لطف آخر قد يجتمعان وقد ينفصلان، فالإمام امير المؤمنين عليه السلام كان اماما بعد رسول الله الى ان استشهد مع ان تصرفه الظاهري كان فترة خمس سنوات من ما مجموعه ثلاثين سنة تقريبا.. ولم يكن ذلك يضر إمامته في شيء، نعم كان حرمان الناس من تصرفه في الفترة الأولى قبل خلافته الظاهرية حرمانا من لطف الله أن يصل لهم ، ولكن المسؤول عن ذلك لم يكن الامام وإنما ( الناس ) ولذلك قال الخواجة في تتمة كلامه ( وعدمه منا ) أي عدم اللطف راجع في سببه إلينا نحن الناس لا لله ولا للإمام . والأمر كذلك هو بالنسبة للإمام المهدي عليه السلام فإن وجوده وإمامته لطف الهي ، وتصرفه المباشر والظاهري لطف آخر ، وعدم هذا التصرف هو بسبب الناس ! الثاني : من يقول إنه لا يتصرف، وإنه لا يفعل ، من يقول إنه لاتصل خيراته وبركاته الى من يتبعه ويشايعه؟ إن الامام لا يقدم لك تقريرا عما يصنع في كل يوم! لكنه حاضر ناظر! لا سيما على الفكرة الصحيحة من أن غيبته سلام الله عليه ليس غيبة شخص وإنما غيبة عنوان.. أي أنه موجود يشهد الموسم ، يعني الحج كما هو مفاد روايات، فقد تكون في الحج ويكون الى جانبك في الطواف ، كتفك بكتفه ولكن لا تعرف أن هذ الذي يلامس كتفك كتفه هو حجة الله على الأرض! ويتابع أمور المؤمنين ويعمل في تفريج كروبهم بمقدار ما يوفقه الله، وهذا ما يؤكده بعض ما روي عنه عليه السلام ( إنا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء أو اصطلمكم الأعداء)[43] .. كيف يتم ذلك ؟ نحن لا نعلم! وهل هذا هو الشيء الوحيد الذي لا نعلمه ؟ بل لا ينبغي أن نعلمه .. ما ينبغي أن نعلمه عنه عليه السلام (وإنّي لأمان لأهل الأرض كما أنَّ النجوم أمان لاهل السّماء ) ووظيفة المؤمن بعد الايمان بذلك ( فأغلقوا باب السؤال عمّا لا يعنيكم ، ولا تتكلّفوا علم ما قد كفيتم ، وأكثروا الدُّعاء بتعجيل الفرج ، فإنَّ ذلك فرجكم).[44] إننا نعتقد أنه لولا رعاية الله سبحانه ، لهؤلاء المؤمنين بواسطة وليه وإمامهم ، لاصطلمتهم البلايا ، كيف لا وهم منذ مئات السنين هدف هجمات أعدائهم على كافة المستويات !! ولكن الله سبحانه وتعالى يدفع عنهم . إن ما ثبت لسيد هذه
--> 39 ) نصير الدين محمد بن محمد الطوسي ( ت 672 هـ ) كان رأسا في العلوم العقلية ، علامة بالارصاد والمجسطي والرياضيات فيلسوف ومتكلم ، وفلكي متمرس أنشأ مرصدا كبيرا في مراغة ، وأنشأ مكتبة عظيمة حوت قرابة اربعمائة الف مجلد جمعها من مختلف مكتبات العالم الاسلامي وبذلك صان التراث المسلم من الاندثار ، له من الكتب الكثير ، من أشهرها : تجريد الكلام ( الاعتقاد ) الذي شرحه علماء من المدرستين ! وعشرات الكتب في العلوم العقلية والرياضية. 40 ) تعرض الخواجة نصير الدين الطوسي إلى حملة تشويه كبيرة قادها الطائفيون، زعموا فيها أن النصير الطوسي قد اتفق مع المغول لإسقاط الخلافة العباسية، وطبلوا وزمروا في هذا، ولكنهم لو تخلوا عن عصبية المؤرخين الشاميين، لوصلوا إلى ما وصل إليه الدكتور سعد بن حذيفة الغامدي ـ من السعودية ـ في كتابه سقوط الدولة العباسية والذي فند كل تلك الادعاءات وأثبت أن لا أساس تاريخي صحيح لها، وإنما أملتها العداوات المذهبية.. لمراجعة تفصيل دوره وحياته يمكن مراجعة كتابنا : من أعلام الامامية / الفصل الخاص بحياته ودوره. 41 ) تجريد الاعتقاد 1 / 221 42 ) قال العلامة الحلي في كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد 1/ 363، شارحا تلك الفقرة ، ومبينا جواب الاعتراض وهو اعتراض على الأئمة عليه السلام ، الذين منعوا من التصرف بإبعادهم عن مراكز الحكم والقيادة : " قالوا الإمام إنما يكون لطفا إذا كان متصرفا بالأمر والنهي وأنتم لا تقولون بذلك فما تعتقدونه لطفا لا تقولون بوجوبه وما تقولون بوجوبه ليس بلطف (والجواب) أن وجود الإمام نفسه لطف لوجوه: أحدها أنه يحفظ الشرائع و يحرسها عن الزيادة و النقصان. وثانيها أن اعتقاد المكلفين لوجود الإمام وتجويز إنفاذ حكمه عليهم في كل وقت سبب لردعهم عن الفساد ولقربهم إلى الصلاح وهذا معلوم بالضرورة. وثالثها أن تصرفه لا شك أنه لطف ولا يتم إلا بوجوده فيكون وجوده نفسه لطفا وتصرفه لطفا آخر. والتحقيق أن نقول لطف الإمامة يتم بأمور (منها) ما يجب على الله تعالى وهو خلق الإمام وتمكينه بالقدرة والعلم والنص عليه باسمه ونسبه وهذا قد فعله الله تعالى. (ومنها) ما يجب على الإمام وهو تحمله للإمامة وقبوله لها وهذا قد فعله الإمام (ومنها) ما يجب على الرعية وهو مساعدته والنصرة له وقبول أوامره وامتثال قوله وهذا لم تفعله الرعية فكان منع اللطف الكامل منهم لا من الله تعالى ولا من الإمام." 43 ) الاحتجاج 1/ 497 واللأواء تعني الشدة وضيق المعيشة. واصطلم يعني استأصل. 44 ) كمال الدين / 485