فوزي آل سيف
199
رجال حول أهل البيت
لقد كان النزاع في داخله- كما هو حال أي إنسان- في هذا الموقف محتدماً بين الشاعر المرتزق، والمؤمن المنتمي. ولم يكن عقل دعبل[117] الخزاعي وحده في هذا الميدان.. لقد كان له الدور الأول دون شك إلاّ أن نشأته في منطقة اعتبرت مركزا من مراكز التشيع أثر في حسم هذا الصراع فهو كوفي المنبت والمنشأ، إضافة إلى أن جذوره تضرب في الصميم من خزاعة، تلك القبيلة التي حالفت بني هاشم في الجاهلية ووالت أهل البيت بعد الإسلام، حتى لقد أعطاهم معاوية ابن أبي سفيان وساماً يغبطهم عليه غيرهم.. إذ أنه لما رأى شدة استبسال خزاعة في صفين مع أمير المؤمنين عليه السلام ، قال: إن نساء خزاعة لو قدرت على أن تقاتلني فضلا عن رجالها لفعلت[118]. عقله، وانتماؤه، من جهة، ونشأته وأصوله من جهة أخرى هذه العوامل حسمت الصراع في داخله لصالح المؤمن المنتمي نهائياً. ومنذ ذلك الحين حمل على ظهره خشبة صلبه، يطوف بها من مكان إلى آخر، جاعلا من كل قصيدة، «دليل إدانة وحبل مشنقة في وقت واحد، ولم يكن يملك إلاّ لسانه وقريحته الشعرية التي حولت الأرض تحت أرجل الحاكمين إلى سعدان شائك، وقصائده التي كانت منشورات سياسية تنتقل على ألسنة الناس من رواة وسوقة. لقد تزاوج ما كان يحمل من عقيدة رافضة لتلك المهازل التي كانت تسمى (الخلافة والخلفاء) مع تلك القدرة الشعرية الرائعة. فأنتجت مواقف تتناقل بين الناس، وقصائد تسعى بصاحبها إلى الحتف في سبيل عقيدته».
--> 117 دعبل: بكسر الدال وإسكان العين وكسر الباء: الناقة الشديدة. 118 شرح النهج 1/ 486.