فوزي آل سيف
414
رجال حول أهل البيت عليهم السلام
وقد ضاع ملك الناس إذ ساس ملكهم وصيف وأشناس وقد عظم الكرب[248] وهكذا وبعد المعتصم حيث أصبح أمر المسلمين لعبة بيد الغلمان الأتراك، والخلفاء الغلمان، فلا تمر جمعة إلا وقد تغير الخليفة حتى ليحار الخطيب، لمن يخطب؟! وكان لسان حال المسلمين في كل ذلك هو ما قاله دعبل معبراً عن الرأي العام: خليفة مات لم يحزن له أحد وآخر قام لم يفرح به أحد فمر هذا ومر الشوم يتبعه وقام هذا وقام الشوم والنكد وهكذا فهو بهذه المواقف كان يعرض نفسه دائماً للهلاك، لا كمن يريد التكسب!! ومن عجبٍ أن المعري يزعم أن دعبلاً كان يريد التكسب بتشيعه وهل كان وراء التشيع إلا غضب الخلفاء وطرد الأمراء، وأحيان كثيرة القتل؟! لقد كان يُلام دعبل وراء كل قصيدة يقولها مضاراً للخليفة، ورافضاً لظلمه، وكان يلام على ذلك، إلاّ أنه كان يقول- ودائما-: لي خمسون سنة أحمل خشبتي على ظهري أدور على من يصلبني عليها فما أجد من يفعل ذلك. وبقدر ما كان صاخبا متحديا في معالجته لقضايا الخلفاء، عنيفا على ظلمهم وانحرافهم وتهتكهم، راثياً حال المسلمين في ظل حكمهم، كان يذوب رقة وحزناً وأسى عندما يتعرض لمصائب أهل البيت ( وتضحياتهم، يجدوه في ذلك موقف عقائدي والتزام مبدئي، حاله يجسده أحد أبياته: لقد خفت في الدنيا وأيام سعيها وإني لأرجو الأمن بعد وفاتي وذلك الرثاء عنده لم يكن حالة انكفاء سلبي بل في نفس الوقت كان يأمل أن تنتهي أيام الجور، وحتى إذا لم تنته فإنه قد أدى ما عليه من الولاء وتحمل مسؤولية انتمائه في هذه الحياة، فهو يتحدث عن ذلك الانتماء: نبذت إليهم بالمودة صادقاً وسلمت نفسي طائعاً لولاتي فيا رب زدني في هواي بصيرة وزد حبهم يا رب في حسناتي وإني لمولاهم، وقال عدوهم وإني لمحزون بطول حياتي ثم، وبعد أن يعدد الماسي التي انصبت على أهل البيت ( ينطلق إلى المستقبل، وينظر إليه بعين التفاؤل والأمل ويتحدث عن النهضة المهدوية، مما كان يعني أن الأمر شديد الوضوح عند شيعة أهل البيت ( : فلولا الذي أرجوه في اليوم أو غد تقطع نفسي أثرهم حسراتي خروج إمام لا محالة خارج يقوم على اسم الله والبركات فيا نفسي طيبي ثم يا نفس ابشري فغير بعيد كل ما هو آتي ولا تجزعي من مدة الجور إنني أرى قوتي قد آذنت بثبات فإن قرب الرحمن من تلك مدتي وآخر من عمري ووقت وفاتي فإني من الرحمن أرجو بحبهم حياة لدى الفردوس غير بتات ونلمس مدى تقدير الإمام الرضا ( الذي اختص دعبلاً بالدعاء له بالأمن يوم الفزع الأكبر لما قال بيته السابق (وإني لأرجو الأمن بعد وفاتي). وكذلك عطاؤه له، لما كان دعبل يمثل من عمق الانتماء لخط أهل البيت (.. ولنتعرف على صورة كاملة لفكره وشعره، ننقل جانبا من قصيدته التائية المعروفة، بـ (مدارس) :
--> 248 ) وصيف وأشناس من القادة العسكريين الأتراك المتنقذين في عهد المعتصم العباسي.