فوزي آل سيف

389

رجال حول أهل البيت عليهم السلام

الخليل بن أحمد الفراهيدي 101 ـ 175 هـ إنه الآن في سوق الصفارين، والمطارق تهوي بقوة على النحاس لكي تحيله إلى صفائح، وإلى قدور وغيرها.. والعقل العجيب الذي يحمله الخليل يتوقد وينتقل في سرعة ضوئية من المطارق تلك إلى نظمها وإيقاعها، ومنه إلى اللغة والشعر ويغيب عما حوله، سوى تلك الطرقات والانتقالات السريعة، حتى وصل إلى المنزل. وهناك وضع أوزان الشعر العربي. لقد ذهب إلى مكة المكرمة حاجاً وهناك دعى الله أن يرزقه علماً لم يسبق به، ولما عاد فتح الله عليه علم العروض حتى أصبح مؤسسه بل اشتهر به في لقبه فقيل الخليل الفراهيدي (العروضي). وإذا فهم البعض التشيع جهاداً وثورة- وكانوا على حق في ذلك، فقد فهم التشيع علماً وعزة، ونشاطاً عقلياً، وبناء فكرياً، ولقد ساعده في ذلك عقل ذكي لا تزيده كثرة التفكير إلاّ نشاطاً، وزيادة النشاط إلاّ إبداعاً. وانقطع للعلم والمعرفة تاركاً متع الدنيا لأهلها، ومنصرفاً عن التكسب بعلمه كما كان دأب الكثيرين. عزة نفسه تلك جعلته يترفع على ذلّة التكسب والارتزاق والجري وراء أصحاب الملك والمال بل يرفضهم إذا طلبوه، فقد وجه إليه سليمان بن حبيب المهلبي والي الأهواز برسول يستدعيه من البصرة ليؤدب أولاده وكان هذا يعنى خروج المؤدب من زوايا الخمول إلى ذرى الشهرة ومن حضيض الفقر والفاقة إلى أعالي الغنى، الأمر الذي يطمح فيه- عادة - الكثير، بل ربما تعلم بعضهم العلم لهذه الغاية، يتقربون بها إلى الخلفاء، ويسيرون بها في ركاب الأمراء.. وجاء الرسول ودخل بيت الخليل الذي يحتقره الكوخ، وأبلغه الرسالة فأخرج الخليل خبزاً يابساً وقال: ما دمت أجد هذا فلا حاجة لي إلى سليمان.. مشابهاً في فعله هذا فعل أبي ذر الغفاري عندما أرسل إليه الخليفة مالاً. وكان الرسول لم يفهم هذه الإشارة فسأل الخليل: - فما أبلغه عنك؟!. فقال: أبلغ سليمان أني عنه في سعة وفي غنى غير أني لست ذا مال شحاً بنفسي أني لا أرى أحــداً يموت هزلاً ولا يبقى على حال فالرزق عن قدر لا العجز ينقصه ولا يزيدك فيه حول محتال والفقر في النفس لا في المال تعرفه ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال لقد كان يملك نفساً غنية لا تطمع إلى ما لا تملك، ويجد عنده ثروة كبيرة بعلمه لذلك لم يسترزق بعلمه. فلما رجع الرسول إلى سليمان غضب هذا.. وقطع راتب الخليل وكان يظن أنه يصنع بذلك عنصر ضغط على الخليل لكي يستجيب، إلا أنه أرسل له بيتين من الشعر يوضح موقفه بعد هذا: