فوزي آل سيف

385

رجال حول أهل البيت عليهم السلام

الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن السبط  شهيد فخ سنة 169 هـ «لم يكن لنا بعد الطف مصرع أعظم من فخ» الإمام الجواد  هجعت المدينة مبكرة، بعد أن أسدل الليل على دروبها، ثوباً قاتماً من الظلام وأخلد واليها عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب إلى النوم، لكن كابوسا قد أقض مضجعه فلم يستطع أن يستريح.. إنه يسمع من على المئذنة صوتاً يؤذن، وليس جديداً ذلك عليه، الجديد هو صوت المؤذن الذي ينادي: حي على خير العمل حي على خير العمل.. وها هم أصحاب السيف من الهاشميين يجتمعون إليه، ليحملوا عليه، وأراد أن يصرخ إلاّ أن الكلمات تجمدت على شفتيه، وأحس بالعطش الشديد.. وكان الحسين ساهراً، فبعد صلاة الليل وأذكاره منعه الفكر من النوم، ترى إلى أين سيصل المشوار مع هذا الوالي؟! لقد تجاوز الحد في الظلم، ولئن كان كسالفيه سيئاً، فإن سوءه لم يعد يحتمل بعد الآن.. لقد أخذ قبل مدة الحسن بن محمد بن عبد الله الرجل العابد وابن جندب الهذلي الشاعر ومولى لعمر بن الخطاب وكانوا مجتمعين في بيت الحسن فأشاع أنه وجدهم على شراب، فضرب الحسن ثمانين سوطاً، وضرب ابن الهذلي خمسة عشر سوطاً وضرب مولى عمر بن الخطاب خمسة أسواط!!.([219]) تبّاً له.. لقد كانت القضية بلا أصل ومكذوبة، ومع ذلك لم يخرج الرجل عن غله وحقده على الهاشميين، فترى حتى في هذه القضية المكذوبة يضرب الحسن ثمانين سوطاً، ومولى عمر خمسة أسواط!!. وجالت الأفكار في ذهن الحسين وقد أرقت راحته.. هذا العرض اللعين الذي يتم كل يوم، والذي يهدف إلى إذلال الهاشميين فقط ما الذي يمكن عمله لإنهائه!!. وتنفس صباح تلك الليلة ليشهد شرارة الانطلاقة الثائرة.. ذلك أن الكابوس الذي شهده الوالي جعله أكثر حرداً وعنفاً على الهاشميين، وكان قد كلف رجلاً من الموالي يقال له أبو بكربن الحائك، وشدد عليهم في العرض اليومي إذ كانوا ملزمين بإثبات الوجود يومياً، وكان كل واحد منهم ملزم بكفالة غيره حتى إذا غاب ذلك الشخص كان المعاقب!!. وكان ذلك اليوم الجمعة.. فعرضهم ولك أن تتصور رجلاً من الموالي وابن حائك يستعرض أولاد الرسول وذريته، ليعلم من الغائب منهم حتى يعاقب كفيله!! ولنقرأ ما يقوله التاريخ: ... فلما اجتمع النفر من الشيعة في دار ابن أفلح، أغلظ العمري أمر العرض وولى على الطالبيين رجلاً يعرف بأبي بكر بن عيسى الحائك مولى الأنصار، فعرضهم يوم الجمعة فلم يأذن لهم بالانصراف حتى بدأ أوائل الناس يجيئون إلى المسجد ثم أذن لهم فكان قصارى أحدهم أن يغادر ويتوضأ للصلاة ويروح للمسجد، فلما صلوا حبسهم في المقصورة إلى العصر، ثم عرضهم فدعا باسم الحسن بن محمد فلم يحضر، فقال ليحيى والحسين بن علي، لتأتياني به أو لأحبسنكما فإن له ثلاثة أيام لم يحضر العرض ولقد خرج أو تغيّب، فراده بعض المرادة، وشتمه، وخرج فمضى ابن الحائك هذا فدخل على العمري فأخبره فدعا بهما فوبخهما وتهددهما، فتضاحك الحسين في وجهه، وقال: أنت مغضب يا أبا حفص!!. فقال له العمري: أتهزأ بي وتخاطبني بكنيتي؟!. فقال له: قد كان أبو بكر وعمر، وهما خير منك، يخاطبان بالكنى فلا ينكران ذلك وأنت تكره الكنية وتريد المخاطبة بالولاية. فقال العمري: آخر قولك شرّ من أوله.

--> 219 )مقاتل الطالبيين/ 295.