فوزي آل سيف
319
من قضايا النهضة الحسينية : أسئلة وحوارات
ورفع عنها الموانع والحجب التي تحجب العلم. ومنها ما كان لها بنفسها من رياضات شرعية وعبادات دينية وهذه تؤثر في تعرف الإنسان على الحقائق، ومع إخلاصها لله طول عمرها تكون ينابيع الحكمة قد تفجرت في داخل قلبها. كل تلك العوامل أكملت علل إفاضة العلم الإلهي على قلبها، ومع وجود الاستعداد والقابلية عندها وارتفاع الموانع منها، أفيض عليها العلم إفاضة. 2- يحتمل أن يكون المقصود من ذلك الكلام المنقول عن زين العابدين عليه السلام أنها لم تتعلم على يد أحد أصلاً وإنما علمها كعلم آبائها غير اكتسابي. لكن يرد على هذا الاحتمال أنه ثبت أن المعصومين عليهم السلام قد أخذوا عن آبائهم فإن أمير المؤمنين عليه السلام وهو من هو في العلم قد أخذ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وروي عنه أنه قال: "علمني ألف باب من العلم ينفتح لي من كل باب ألف باب"([326])، وأن الحسن عليه السلام قد أخذ عن أبيه، وعلمه أبوه كما ورد في وصيته إليه المذكورة في نهج البلاغة([327]): "ورأيت حيث عناني من أمرك ما يعني الوالد الشفيق، وأجمعت عليه من أدبك أن يكون ذلك وأنت مقبل العمر ومقتبل الدهر، ذو نية سليمة ونفس صافية، وأن ابتدئك بتعليم كتاب الله وتأويله، وشرائع الإسلام وأحكامه وحلاله وحرامه، لا أجاوز ذلك بك إلى غيره"([328])، قد ورد أنها أخذت عن أبيها عليه السلام كما ورد في تعليمها تأويل آية (كهيعص) حيث أخبرها أبوها كما ورد في بعض المرويات التاريخية أنها كانت تفسر القرآن الكريم فلما وصلت إلى سورة مريم، وبدأت في تفسير أولها، أخبرها بتأويلها. ولا يعتقد أن المعصومين عليهم السلام يأخذ بعضهم عن بعض بينما لا تأخذ عليها السلام عن أحد منهم! 3- الاحتمال الثالث: أن يكون المقصود من أنها (غير معلمة) أنها لم تتعلم إلا على يد المعصومين، ولم تأخذ العلم إلا من أبيها وأمها وأخويها. وفائدة ذلك أن ما عند الناس -غير المعصومين- خليط من الصواب والخطأ، والحق والباطل وليس بالضرورة أن يطابق الواقع. وأما ما هو عند المعصومين فهو العلم المطابق للواقع([329])، والذي لا يتخلف عن الحق فعلي -كإمام معصوم- مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار. وليست هذه خاصة أمير المؤمنين عليه السلام دون بقية أبنائه. فما ثبت له - مما يرتبط بمنصب الإمامة- ثبت لهم بعدم الفصل.
--> 326 ) صحيحة رواها الشيخ الصدوق في الخصال عن محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه قال: "حدثنا محمد بن الحسن الصفار، عن يعقوب بن يزيد، وإبراهيم بن هاشم، عن محمد بن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبدالحميد، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال علي عليه السلام : علمني رسول الله صلى الله عليه وآله ألف باب يفتح ألف باب". 327 ) نهج البلاغة، الكتاب رقم 31. 328 ) هذا بناء على غير الرأي القائل بأن هذه الخطبة وأمثالها هي من نحو التعليم للآخرين، واستنان طريقة لهم. 329 ) الكافي ج1، ص62: "صحيحة إسماعيل بن جابر عن الصادق عليه السلام قال: كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وفصل ما بينكم ونحن نعلمه"، وموثقة سماعة: "سألت أبا الحسن موسى عليه السلام أكلُّ شيء في كتاب الله وسنة نبيه أو تقولون فيه برأيكم؟ فقال: بل كل شيء في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله". وما عن بصائر الدرجات، ص363: "عن الصادق عليه السلام إن رسول الله أنال وأنال وأنال -يشير بيده كذا وكذا- وعندنا أهل البيت أصول العلم وعراه وضياؤه وأواخيه".