فوزي آل سيف
84
معارف قرآنية
نعودُ للآيةِ المباركة، ظاهِرُها أن العيونَ تنظُرُ إلى ربِها، ولكن لو بحثنا في القرآن لرأينا الآية ( لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)[153] ونحن نقول أن القرآن الكريم قطعًا غيرُ مُتناقِض فلا يُوجدُ فيه اختلاف، فمن غير الممكن أن يقول تارةً “لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ” وتارةً يقول “إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ”. لذلك نَحمِلُ “نَاظِرَةٌ”على معنى آخر بتقدير محذوف كالقول بأنها إلى رحمة ربها ناظرة وإلا ستتناقضُ آيات القرآن الكريم. وعلى هذا السياق ننظر هل يُمكنُ تفسير الآيات بآياتٍ وكلماتٍ أخرى في القرآن الكريم أم لا، إذا كانت تُفسِرُها فنرجِعُ إلى ذلك التفسير القرآني، وأمثالُ هذا كثير. رابعًا التَفَكُر في بعض الضمائر والروابط في الآيات. كما في قوله تعالى ( وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا)[154] سُفَهَاء هنا تعني من ليس لهُ تدبيرٌ في مالِه كاليتامى الصغار مثلًا إذا ورثوا مالا فالحكم الشرعي ألا نُعطيهم أموالهم حتى البلوغ والرشد “وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ“ أي لا بد من البُلُوغِ والرُشد، أو يكون إنسان غير رشيد حتى وإن كان بالغًا، فالحكم الفقهي هنا ألا نضع المال في يده. السؤال هنا هو لماذا قال الله سبحانه “أَمْوَالَكُمُ”[155] مع أنها واقعًا “أموالهم” أي أموال اليتامى؟، هنا نستفيدُ من التدبُر، فالمال لهُ جهتان، جهةٌ شخصية وجهةٌ اجتماعية فهو جزءٌ من الدورةِ الاقتصادية في البلد، وبالتالي فهو جزء من اقتصاد المجتمع، والشاهدُ على ذلك قول الله عز وجل بعدها مباشرةً “الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا” فبهذه الأموال يقُومُ بِناءُ المجتمع. ومن هذا نستنتج أن هذا المال، الذي وإن كان لهُ جهةٌ شخصية، إلا أنهُ لهُ جِهةٌ اجتماعيةٌ عامّة. والدول الآن تتعامل بنفس هذا النظام، لو أراد مواطنٌ أن ينقُل ثروتهُ كاملةً للخارج فإن الدولة تحجُرُ على أمواله حتى وإن كانت مُلكُهُ الشخصي، لأن ذلك يُسبِبُ انهيارًا اقتصاديا. أيضا غسيلُ الأموال ممنوع،حتى وإن كان الطرف الآخر قابِلٌ بذلك، لأنه يُفسِدُ الاقتصادَ الحقيقي لصالح اقتصادٍ مُزيف. فإذن “أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا” لها صِبغَةٌ اجتماعية، وكُل هذا استفدناه من إضافة ضميرٍ فقط للكلمة. أيضًا “وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا” لم يَقُل الله سبحانه “وارزُقوهم منها” لأن “منها” تعني أن تقتطِعَ من هذه الأموال فتنقُص أو أن تستهلك من رأس المال لهذا اليتيم، بينما المطلوب هو أن تُنَمِيه اقتصاديا، والربحُ من هذه التنمية تُعطيه لهذا اليتيم، “ارزقه فيه” معنى ذلك أنك تتوسعُ في استثمار مالِ هذا اليتيم، وهذا أيضًا استفدناهُ من حرف جر في الآية. خامسًا ذكرُوا أيضًا أن التدبُر قد يكونُ تدبُرًا موضعيا أو تدبُرًا في الموضوع بشكلٍ عام. هذا يعني أن تجمع كُل آياتِ التوحيد مثلا أو آيات النبوة ثم تتدبّر فيها كُلها.
--> 153 ) الأنعام / 103 154 ) النساء / 5 155 ) البعض من المفسرين أن ( أموالكم ) بالفعل المقصود منه أموالكم الشخصية لا أموالهم ، ولكن هذا غير ظاهر ، فلا معنى لأن يعطي الانسان أمواله الشخصية لراشد فضلا عن السفيه .. فقد يكون هنا النهي في غير محله لأنه من تحصيل الحاصل ، وأما اعطاؤهم أموالهم فهو الحالة الطبيعية .. لذلك يمكن الأمر بها تأكيدا أو النهي عنها إلا بشروط كما حصل في الآية .