فوزي آل سيف
71
معارف قرآنية
هذه النظرية تقول إن الاهتمام بالتجويد كواحد من علوم القرآن هو على القاعدة. فلماذا لا نهتم بعلم التجويد كما نهتم بسائر علوم القرآن الأخرى؟ الأئمة علماء بالتجويد وغيره : أولاً نحن نعتقد أن أئمة أهل البيت -عليهم السلام- عندهم ما لدى غيرهم من العلوم ويزيدون عليهم، وبهذا يفضلونهم ويتقدمون عليهم. فلا ريب أن علم التجويد كعلم النحو ، علم الصرف من اللغة ، وكعلم الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه والتدبر والتفسير في القرآن وهذه كلها موجودة لدى الأئمة -عليهم السلام. ولم يصل علم التجويد إلينا عنهم. لأنه قد يكون فيما تلف من الروايات والأحاديث. وقد يكون لعدم حاجة الناس إليه في ذلك الوقت حيث أن ألفاظهم على السليقة وعلى الفطرة والطبيعة فلم يسأل أحدٌ الأئمة لا سيما وأن قسما من الناس تلقوا هذه القراءات عن الأئمة مباشرة. فلا يحتاج من عنده الغاية القصوى (قراءة الإمام) إلى قواعد يطبقها. هذا هو الأمر الأول، أن الأئمة عندهم علم التجويد كما غيره من العلوم ولم يأتنا منهم ذلك إما لما ضاع من تراث الأئمة – وهو كثير ، أو لعدم الحاجة إليه نظراً لأن الناس كانوا على السليقة ينطقون الحروف في قراءتهم للقرآن. لم ينشأ في احضان السلاطين : ثانيا : أنه ليس صحيحاً أن علم التجويد ناشئ في أحضان المدرسة الأخرى فقط، بل اهتم المسلمون جميعاً بهذا العلم كسائر علوم القرآن فبرز من مدرسة الخلفاء علماء ومتخصصون في التجويد وفي مدرسة أهل البيت أيضا . ويقولون أن عدداً من القراء المشهورين – ولا بد أن تكون قراءتهم قراءة مضبوطة، متقيدة بهذه القواعد ، ويعرفون مخارج الحروف بشكل دقيق، فلا يصبح أي شخص قارئاً إلا إذا عرفها . وقد حفل التاريخ الاسلامي بأفراد من هؤلاء مصنفين في ترجماتهم على أنهم كانوا يتشيعون لأهل البيت. ومن هؤلاء القراء الذين سبق ذكرهم في مواضيع سابقة حفص وعاصم والكسائي وحمزة الزيات وأبو يحيى ابن أبي العلاء. إذن، قسم من القراء المتقنين لقضايا التجويد كانوا من تلامذة أهل البيت -عليهم السلام- وتلقوا بعض هذه القراءات من فم الأئمة، مثل حمزة الذي يروي عن الإمام الصادق قراءة القرآن قرأ عليه، وغيره يحيى ابن يعمر تنتهي قراءته إلى أمير المؤمنين عن طريق أبي عبد الرحمن السلمي الذي يقول أقرأني علي ابن أبي طالب القرآن حرفاً حرفاً. فهذه القراءات المعروفة والمشهورة والتي يفترض أنها تعمل بالتجويد كانت لدى الشيعة. بل يذكر العلامة المرحوم الدكتور الفضلي في كتابه علم التجويد أن أول ما انفصل علم الصرف عن علم النحو كان بواسطة معاذ ابن مسلم الهراء النحوي[132]. هو من فصل علم الصرف عن علم النحو. وعندما انفصل هذا العلم أتت مع علم الصرف مسائل علم التجويد ، وقد نُص على تشيع الهراء النحوي . وبناء على هذا فلا يصح القول بشكل مطلق وجازم أن هذا العلم كان منشؤه منشأ عاميا من طرف الخلفاء والسلاطين لأجل إغواء الناس عن أهل البيت .. نعم ربما يكون السلاطين قد استفادوا منه في هذا الأمر كما يستفيدون من أي شيء لغاياتهم .
--> 132 ) معاذ ابن مسلم الهراء النحوي، توفي سنة 187هـ.ونص على أنه كان يتشيع، وعمّر طويلاً حتى أن بعض تلامذته ماتوا وهو على قيد الحياة، وقيل إن بعض أبنائه توفوا وهو على قيد الحياة. ويذكر أنه من أصحاب الإمام الصادق وأسند عنه (يعني توفي بعد الإمام الصادق أقل من أربعين سنة بقليل ما يشير إلى طول فترة عمره). وكان يتشيع حتى ذكروا أنه كان يفتي حتى سأله الإمام الصادق "بلغني أنك تجلس في الجامع وتفتي." قال "بلى ولقد أردت أن أسألك عن هذا. فإن الرجل يأتيني وأعرف أنه ممن يحبكم فأخبره بمحض الحق" (قولكم، أي أخبره أنه رأي أهل البيت هو كذا). "ويأتيني رجل أعرف أنه ممن يخالفكم فأفتيه بقول غيركم" رجل يسألني مثلاً عن رأي أبي حنيفة (أعلم أنه من غير أتباعكم) فأفتيه برأي أبي حنيفة أو غيره. "ويأتيني الرجل لا أعرف أنه يحبكم ولا يخالفكم" لا أدري (غير واضح لدي). "فأقول له رأيكم في ضمن الآراء" أخبره له أهل المدينة يقولون كذا، أهل الكوفة يقولون كذا، أهل البيت يقولون كذا. فحسن الإمام فعله قال "نعم اصنع هكذا".