فوزي آل سيف

39

معارف قرآنية

أولاً إن أحد أغراض إيراد الآيات التي فيها إشارات إلى قضايا العلم هو -غرضٌ عقائدي ، وهو أن يؤمن الإنسان بأن هذا القرآن الكريم إنما أنزله رب الكون الذي وضع هذه الأسرار دون غيره وأن الإنسان مهما أوتي من العلم فإنه ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) ثانيا - أن قضية الإعجاز العلمي في القرآن في الجملة هي ثابتة لكن لا يصح أن يكون ذلك هاجسا للباحث في القرآن والمفسر بحيث كلما أعلن عن نظرية أتى بآية من القرآن ليقول أنه هذه الآية تدل على هذه النظرية، فليس الأمر كذلك . لأن قسماً من الأمور العلمية قد تكون في مرحلة النظرية وفرقٌ بينها وبين الحقيقة العلمية فالنظرية تحتاج طي مراحل طويلة إلى أن تتحول إلى حقيقةٌ مسلَّمة وثابتة. كذلك فإن بعض النظريات قد تكون في وقتها بحسب المتوفر من العلوم حقائق ، ولكنها وبعد مدة من الزمان من الممكن أن يتقدم العلم وأن تتغير تلك الأفكار، ولا يجوز الإصرار على أن كل قضية علمية يكون عليها الدليل من القرآن كذا وكذا. فلو تغيرت هذه النظرية بعد مدة أو بعد أربعين سنة أو حتى مئة سنة واختلفت فكيف سيكون دور الآية التي أخذت للدليل على هذه النظرية ؟! في ذات الوقت الذي نقول إن هناك انسجاما بين الكتاب التدويني وبين الكتاب التكويني ،بين القرآن وبين الكون في أن منشأها واحد فخالق الكون هومنزل القرآن وهو الله عز وجل وهذا يقتضي الإنسجام بينهما والإلتئام ، إلا أنه لا يصح أن يكون للإنسان هاجس في كل قضية علمية بأن القرآن يدل عليها . لأن ذلك قد ينتهي إلى تكذيب الآيات . فنقول في الجملة أن القرآن الكريم كشف حقائق وأشار إليها والغرض منها أن يعتقد الإنسان أن هذا القرآن نزل به الروح الأمين على قلب رسول الله ( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ )[65] بالإضافة إلى تشجيع الإنسان على البحث والتنقيب والتحقيق في آيات عظمة الله وقدرته. الاعجاز اللفظي والبياني في القرآن : من آيات الإعجاز في القرآن الكريم هذا الإنسجام في البيان طيلة مدة البعثة النبوية وهذا ينفي إمكانية كونه من بشر فنلاحظ أنه لو لم يكن القرآن نازلا من السماء كمعجزة إلهية خالدة فإن كل الظروف تساعد على أن يكون فيه اختلاف ، لذلك يقول القرآن الكريم (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)[66]. لكنه لأنه لا يوجد فيه اختلاف لا كثير ولا قليل فإذن هو من عند الله تعالى. من تلك الظروف طول المدة وهي ثلاث وعشرون سنة فالإنسان العادي مهما أوتي من الفصاحة والبلاغة فإنه وفي خلال ثلاث وعشرين سنة ستختلف طريقة حديثه من أول هذه السنين إلى آخرها وهذا يتضح مثلاً مع العالم الفلاني حيث ينتج نظرية في بادئ الأمر ثم بعد مرور خمس سنوات يغير هذه النظرية ، أو يصححها أو يطورها ، فكيف لو كان بعد عشرين سنة ؟ ومنها : اختلاف حالات الإنسان في هذه الدنيا فالإنسان يمر بحزن وفرح ورضا وغضب ويأس وأمل وغير ذلك ،وهذا كله يؤثر على كلامه فالغاضب بتكلم بطريقة والراضي يتكلم بطريقة أخرى ومن يكون لديه أمل يتكلم بطريقة تتناسب مع هذا الأمل واليائس المحبط يتكلم بطريقة أخرى وهكذا.

--> 65 ) الشعراء / 193ـ 194 66 ) النساء / 82