فوزي آل سيف
35
معارف قرآنية
ولقد تحدث القرآن الكريم عن الأثر الذي يخلفه على بعض أهل الكتاب من القسيسين والرهبان وكيف أنهم ( بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83))[55] هل إعجازه ناشئ من منع الله وصرفه؟ ذهب بعض علماء المسلمين إلى فكرة الاعجاز بالصَّرفة .. ومعنى ذلك أن الله ـ كما يعتقدون ـ قد صرف أنظار كفار قريش واهتمامهم عن معارضة القرآن ومجاراته .. وقالوا : إن الكفار قد ذهبوا وراء الطريق الأبعد وهو مقاتلة النبي ومحاربته ، وما سلكوا الطريق الأسهل وهو محاولة مجاراته .. فمن هذا يتبين أن هناك جهة غيبية جعلتهم ينصرفون عن سلوك الطريق الأسهل وهو بين ايديهم ويسمون ذلك: الإعجاز بالصرفة. ولكن هذه الفكرة غير صحيحة لأسباب متعددة : ـ الأول : أن هذا يبطل أصل التحدي الذي قاله الله تعالى في القرآن ، من أن الانس والجن لو اجتمعوا على أن يأتوا بمثله لا يستطيعون .. هذا التحدي يكون باطلا مع فكرة الصرفة .. إنه حينها يشبه أن تتحدى شخصا في الملاكمة وتقوم بتقييد يديه حتى لا يستطيع ضربك .. ثم تقول إنك انتصرت عليه . ـ الثاني : إن هذا يبطل فكرة الاعجاز الذاتي للقرآن الكريم ، والحال أنه ثابت على مستوى البلاغة والبيان والعلم والتشريع .. فإذا كان عجز القرشيين ناشئا من انصرافهم عن ذلك بقوة غيبية ، فإنه يعني أنه لو لا ذلك الجانب الغيبي لكان بإمكانهم أن يقوموا بمجاراته وتحديه ! إنما الصحيح هو أن القرشيين وهم الخبراء في البلاغة عندما اطلعوا على آيات القرآن رفعوا راية الاستسلام ، ولم يعرضوا أنفسهم للسخرية بمبارزة القرآن . إن هذا من الأمور الشائعة أن أحد الطرفين عندما يقيم الموقف فيرى أن الغلبة الباهرة لخصمه ، لا يدخل معه في المواجهة ، وإنما يتراجع عن ذلك وينسحب . وقد علم كفار قريش المستوى العالي لبلاغة القرآن الكريم وجهات من اعجازه .. وانبهر كبارهم بالقليل الذي سمعوا منه ، وتلك قصة الوليد المخزومي شاهدة عليه ، وذاك اعجاب أبي سفيان ونظرائه يدفعه إلى التلصص إلى الفجر لاستماع آياته ! ومن جهة أخرى كانوا يعرفون قدراتهم وما هم عليه .. فمن الغباء أن يبرزوا للتحدي معه ! لنفرض أن الله صرفهم .. فهل صرف الجيل من بعدهم من أعداء القرآن ؟ وهل صرف أهل الكتاب من النصارى واليهود فلم يدخل التحدي أحد منهم ؟ وهل صرف ويصرف من جاء في القرون التالية ؟ وهل التفتوا إلى هذا الصرف أو لم يلتفتوا ؟ هل شاهدوا من أنفسهم أنهم عندما يأتون لمعارضة القرآن يمسكهم ماسك ويعيقهم عائق ؟ بينما إذا أرادوا انشاء القصائد العصماء في غيره من المواضيع انطلقوا ؟ كلا .. إنما الصحيح هو أن القرآن في لفظه معجز وفي معناه .. وأن من حاول مجاراته جاء بمهازل ومضحكات .. كما نقل ذلك الإمام الخوئي في كتابه البيان . من أن أحد المسيحيين، حاول أن يأتي بشبيه لسورة الفاتحة، فجاء بما يدل على سخافة منطقه ، وجهالة رأيه . إن كتاب الله وكلامه فيه من الجمال اللفظي والأداء البلاغي والاتقان المحسوب ما يصل إلى مثل حسابات الهندسة العليا ، ولا يستطيعه بشر حتى الأنبياء ! ومن خلال ذلك تكذب فرضية أن المعاني القرآنية هي من السماء بينما الألفاظ من النبي ، وهذا ما سيأتي الحديث عنه لاحقا ، وتخطئته بالبراهين .
--> 55 ) المائدة 82ـ 83