فوزي آل سيف
17
معارف قرآنية
السورة أو على الأقل آياتها الخمس الآوائل كانت أول ما نزل إيذانًا ببعثة رسول الله صلى الله عليه وآله، البعض يقول كل السورة والبعض الآخر يقتصر على الآيات الخمس الأوائل، وهذا له بحثه. إذن إن أردنا ترتيب القرآن ترتيبًا تاريخيًا، المفترض أن تكون هذه السورة هي الأولى. ثم نظر إلى السورة الأخرى التي نزلت بعدها في قضية رجوع النبي صلى الله عليه وآله إلى بيته وهي سورة المدثر (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) ، فتكون هذه السورة هي الثانية، السورة الثالثة بحسب الترتيب سورة نون ( ن ۚوَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ”) ، تأتي بعدها سورة المزمل (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ”) وهكذا. وكما قلنا في وقتٍ مضى، أن ترتيب السور في هذا القرآن الموجود بين المسلمين ليس ترتيبا توقيفياً، أي لا يوجد دليل على هذا الترتيب وإنما هو أمر تم التعارف عليه، وهو الترتيب الذي حصل في زمان الخليفة الثالث كما هو مشهور، ورُتب على أساس حجم السور، أولا بدأوا بالسبع الطوال كما يسمونها، البقرة، آل عمران، النساء وهكذا، ثم بعدها تأتي الِمئون وهي السور التي آياتها حوالي المئة، ثم بعدها المفصل ثم قصار السور فالترتيب هنا كان على أساس كمي وعلى أساس عدد الآيات في كل سورة. فائدة الترتيب التاريخي للقرآن الكريم: هناك فرق بين أن يكون الترتيب في القرآن الكريم على أساس تاريخي أو أن يكون على أساس كمي، الترتيب التاريخي ينقل للإنسان تطور مرحلة الدعوة الإسلامية وحركة النبي صلى الله عليه وآله شيئاً فشيئاً، وكأنك تُرافق النبي صلى الله عليه وآله من الناحية التاريخية، وفي هذا الترتيب منافع عظيمة، ولذلك بعض علماء القرآن، حتى من مدرسة الخلفاء، يقولون أنه لو كان الأمر على طبق الرواية من أن عليًا عليه السلام رتب القرآن كما أُنزل من الناحية التاريخية فإن فيه علمًا كثيرًا جدًا وقد فات الناس. لنأخذ على سبيل المثال لو كنت طبيبًا، وأتى إليك مريض، وكان بإمكانك أن تعرف تاريخ مرضه من ١٠ سنوات وأنه كان يعاني من كذا ثم بعدها بسنتين تطور الحال إلى شيء آخر ، كطبيب ستكون الرؤية لديك واضحة من ناحية تطور المرض في هذا المريض. وهذا كما ينطبق على الافراد ينطبق كذلك على المجتمعات . وبالنسبة للرسالة والدعوة لو عرفنا تاريخ هذه السور، والآيات وكيف تماشت مع حركة النبي صلى الله عليه وآله سيكون لدينا رؤية واضحة ولكن ما حصل كان غير هذا. السؤال هنا هو أين ذهب هذا القرآن الذي رتبه الإمام علي عليه السلام ؟! سنتحدث عن هذا الأمر فيما بعد، ونشير إلى ما ذكره باحثون من أن الأصل للقرآن الذي نقرأه هو ما كتبه علي عليه السلام، وأن ما حصل فيه من تغيير من قِبَل الخليفة الثالث هو تقديم وتأخير في ترتيب السور فقط. ضمانات عدم تغيير القرآن الكريم: هذا الاهتمام بالجمع من قِبَل رسول الله صلى الله عليه وآله وبمباشرة علي عليه السلام يتوافق مع مقتضى الاعتبار ، في أنه لو أن النبي (لم يكتب لأنه مأمور بذلك ) ولم يأمر بالكتابة فلم يجمع القرآن في زمانه لكان ذلك يُعد والعياذُ بالله تضييعًا لأهم قضية تربط الأمة وهو القرآن. وأما بناءً على ما يراه الامامية فإن الله عز وجل أوحى، والنبي تلقى الوحي وعلي وليس أي كاتب وإنما كاتب معصوم، وليس برواية غير مباشرة عن أحد وإنما من لصيق برسول الله من اليوم الأول للبعثة. سمع رنة الشيطان في أول وحي، وبقي مع النبي إلى أخر لحظة عند رأسه، وكان في هذه المدة لا يُفارقه، وبين غيره، هذه ضمانة أكيدة.