فوزي آل سيف

12

معارف قرآنية

ولو أردنا أن نضرب مثالا في ذلك أنه لو أردنا جمع أشعار الشريف الرضي مثلا ، وشكلنا لجنة في ذلك وعملت جهدها في الجمع والاستقصاء .. وأخرجت كتابا .. فإنها لا تستطيع أن تقول إن هذا هو كل ما قاله الشريف الرضي .. أو أن ما هو مجموع الآن هو كلماته كلها ولم تبدل كلمة بأخرى !! والسبب في ذلك أن من جمع شعره فعل ذلك بعده ، وأنه غير معصوم وبالتالي فقد ينسى ويخطئ ! ونفس القضية تنطبق على الرواية الرسمية لمدرسة الخلفاء . وهذا هو الذي فتح لبعض المستشرقين المعاندين باب القول أن الطريقة التي جمع بها القرآن ـ وهم يقصدون الرواية الرسمية لمدرسة الخلفاء ـ لا تجعل الباحث مطمئنا بأن هذا النص كله من عند الله ، أو أنه لم يضع منه شيء ! 5/ بل هناك كلام حتى بالنسبة للقائمين على قضية الجمع ، فإن رئيس تلك اللجنة هو زيد بن ثابت وهو عندما جاء النبي إلى المدينة كان كما قالوا عمره 10 سنوات.. وصار بعدها من كتاب الوحي يعني أنه أولا لم يشهد المرحلة المكية والتي احتوت على أكثر السور ( 86 سورة على المشهور )، وعندما صار النبي في المدينة كان زيد في هذا السن المبكر ، ولذلك فقد اعترض عدد من الصحابة لا سيما ابن مسعود[19] وأُبي بن كعب على تعيينه على رأس تلك اللجنة مع وجود كبار حفظة القرآن ممن شهدوا المرحلة المكية وكانوا في المرحلة المدنية متميزين بالعلم بالقرآن . فأين كان هؤلاء ؟ أين علي بن أبي طالب الذي رافق النبي منذ اليوم الأول للبعثة إلى اليوم الأخير من حياة النبي ؟ وأين ابن مسعود ؟ وأبي بن كعب ؟ وأبو الدرداء وغيرهم ؟ 6/ اختلاف روايات الجمع إلى حد التهافت ، أشار إليه الإمام السيد الخوئي، فقد تتبع روايات الجمع بحسب ما جاء في مصادر مدرسة الخلفاء ، ورأى أن بعضها يشير أن الذي أمر بالجمع هو أبو بكر ، وبعضها الآخر أنه عمر والثالث أنه عثمان ! وأن المناسبة التي دعت إلى ذلك في بعضها كان : أنه استحر القتل في حفاظ القرآن في معركة اليمامة زمان الخليفة الأول ، وفي بعضها الآخر أنه كان بناء على الاختلاف بين المسلمين في أذربايجان في عهد عثمان ، وما هو دور زيد بن ثابت فإن بعضها يثبته وبعضها ينفيه .. وينتهي من ذلك إلى أن هذه الروايات في تفاصيلها متعارضة متهافتة .. ثم يقول إنها أيضا مخالفة لحكم العقل ولصريح القرآن الكريم (فإن كثيرا من آيات الكتاب الكريمة دالة على أن سور القرآن كانت متميزة في الخارج بعضها عن بعض ، وان السور كانت منتشرة بين الناس ، حتى المشركين وأهل الكتاب ، فإن النبي (ص) قد تحدى الكفار والمشركين على الاتيان بمثل القرآن ، وبعشر سور مثله مفتريات ، وبسورة من مثله ، ومعنى هذا : أن سور القرآن كانت في متناول أيديهم )[20] . 7/ من جملة ما يذكر مما فيه إشارة إلى أن القرآن كان مجموعا ـ ولو في كل مرحلة بنسبتها ـ هو الاشارة إليه بعنوان الكتاب تارة وبعنوان المصحف أخرى ، والكلام عن استحباب النظر إليه ثالثة ، فإنه لا معنى لقول النبي : تارك فيكم كتاب الله ، مع كونه غير مكتوب ! وليس بالامكان تناوله ! بل حتى في قضية ( حسبنا كتاب الله ) إشارة لذلك فإن النبي لما طلب دواة وكتفا ليكتب كتابا ، قالوا : حسبنا كتاب الله يعني إنه موجود بين أيدينا وهو يكفينا . ولا يصدق على القرآن المحفوظ في الصدور أنه كتاب ! وأوضح من ذلك ما ورد من الروايات عن النبي حول المصحف والنظر فيه وأن من ينظر فيه يمتع ببصره في الدنيا !

--> 19 ) نقل عن ابن مسعود قوله : والله لقد قرأت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة، وإن زيدا لذو ذؤابتين يلعب بالمدينة!. 20 ) البيان 252