فوزي آل سيف

101

معارف قرآنية

الاتجاه الثاني يقول أن المقصود هنا ليس كُلُ العلوم، وإنما كُلُ شيءٍ يتناسبُ مع غرضِ القرآن وهدفِه، فلا يشمل ما كان خارجا عن هذا الغرض من الحديث عن علوم الكيمياء والهندسة والطب وحركات الناس وأشباه ذلك .. وهذا النحو من التعبير موجودٌ في المحاورات العُرفية بين الناس فهم يعبرون بأوضح أشكال العموم في كلامهم ولكنهم لا يقصدون منه العموم الكامل ، وانما يعتمدون على القرائن الحافة بالكلام في تحديد دائرة العموم . فإن أحدهم يصف مستشفى فيقول بأنه يحوي كُل شيء، وأنّ كُلَّ شيءٍ موجودٌ فيه، فتسأَلُه هل أستطيعُ تبديل إطاراتِ السيارةِ فيه؟ هل توجد فيه طيّارات؟ فيُجيبك بالنفي، ويُوضِحُ لك بأن المقصود هنا أن المستشفى يحوي كُل العيادات المتنوعة والأطباء، ففيهُ كُلُ شيءٍ يتناسبُ مع معنى المستشفى . وهكذا لو ذهبت لمركزِ تموينات وأخبرت أنَّ كُلَّ شيءٍ موجودٌ فيه، فهل هذا يعني أنهُ يحتوي جامعةً للدراسة مثلا؟ طبعًا لا، وإنما المقصود أنه يُوفر كُل ما يرتبط بالتسوق ومراكز التموين. هذا الاتجاه يرى أن “تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ” لا تعني مثلا كيفية استخراج النفط، أو كيفية إصلاح الكهرباء، فهذه ليست دائرةُ غرض القرآن الكريم، دائرةُ غرضه ترتبط بتنظيم حياةِ الإنسان على المنهجِ القويم والصراطِ المستقيم من عقائد، وعبادات ، شرائع وأحكام، أخلاق وأنظمة في التعامل، وهكذا كُلُ شيءٍ يرتبط بـ “إِنَّ هَذَا القرآن يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ”. وهذا قد يكونُ بشكلٍ مفصّل مثلُ بعضِ آياتِ الميراث، أو قضايا العقيدة في الله عز وجل، وبعض قضايا الأخلاق التي جاءت بشكل تفصيلي في القرآن، وقد يكون بشكلٍ مُجمل ولكن مع تعيين الطريق إليها فقال “وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا” يعني النبي محمدا صلى الله عليه وآله. الطريق لمعرفة مواردِ الإجمال في القرآن : وهكذا القرآن الكريم في موارد الإجمال والاختصار عرّف الإنسان بالطريق إليها وقال أن الطريق إلى ذلك هو النبي محمد (ص)، والنبي (ص) بدورِه قال أيضًا أن ما أوضحتُهُ بشكلٍ كامل فقد اتضح، وأما ما لم تُتِح ليَ الفرصةُ بتوضيحه فإن الطريق إليه هو عترتي أهلُ بيتي (ع). فإذن القرآن الكريم يشمل كُل شيء يحتاجُهُ الإنسان في ما يرتبط بقضيةِ الحياةِ القويمة، بعلاقتهِ بالله، بعلاقتهِ بالناس، بكيفيةِ العيش عيشةً راضيةً هنية، فهذا كُلُه موجود في القرآن الكريم “وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ” في هذه الدائرة. فليس المطلوب من القرآن مثلا أن يُوضح كيف تكون صناعة الطيارات، أو كيف يُستخرج النفط، أو كيف يكون شكلُ البناء، فهذهِ ليست في دائرةِ “كُلِّ شَيْءٍ” التي جاء بها القرآن الكريم. وعليهِ فإنه لا يُفترض بإنسانٍ أن يسأل مثلا عن سبب عدم وجود أسماء الأئمةِ مثلا في القرآن، أو ما شابهها من الأسئلة. وهكذا في تفاصيل المسائل الفقهية ، فالبعض قد يقول بأنه ما هو الدليل من القرآن على أن القطة وبرُها وشعرُها مُفسدٌ للصلاة؟ فالقطة - بحسب حديث السائِل - لطيفةٌ وناعمةُ الملمس وليست نجسة .. فكيف يُفسد شعرها الصلاة؟ ويتكرر هذا الكلام بأنه ما لم تكن هناك آية على الحكم الكذائي فإنه لا يقبله .. نقول : هذا من موارد الاجمال ولو أراد القرآن ذكر كل شيء من تفاصيل العقائد والعبادات والأحكام لكان يقع في عشرات المجلدات ، ولكنه بهذا النحو هو أيضا تبيان لكل شيء ـ يتناسب مع غرضه ـ غاية الأمر لا بد من الرجوع فيه إلى من يفسره ويبينه وهو النبي والمعصومون ، وتتكفل الروايات عنهم بهذا الأمر ففي ما يرتبط بأسماء المعصومين عليهم