فوزي آل سيف
70
فقه العلاقات الاجتماعية
فعن رسول الله صلى الله عليه وآله : الجيران ثلاثة : فمنهم من له ثلاثة حقوق : حق الإسلام ، وحق الجوار وحق القرابة ، ومنهم من له حقان : حق الإسلام ، وحق الجوار ، ومنهم من له حق : واحد الكافر له حق الجوار "[211] . حدود الجيرة ( ومن هو الجار ؟ ): يمكن القول أن حدود الجار والجوار ، أمر عرفي وذلك لاختلاف الأماكن ، والبيوت في المدن والقرى سعة وضيقا ، بالإضافة إلى أن هذا من المفاهيم وهذه مما يرجع فيها إلى العرف لتعيينها . ولهذا ذهب بعض فقهائنا المتقدمين إلى هذا المعنى ، فقال المحقق الحلي في الشرائع في باب الوقف ( حيث تبحث المسألة هناك ) ، أنه لو وقف على الجيران رجع إلى العرف[212] ووافقه العلامة في القواعد ، والكركي في جامع المقاصد .. ورأى الشهيد الثاني أن وجهه واضح حيث العرف مرجع حيث لا حقيقة شرعية [213]. غير أن هناك قولين آخرين في تحديد الجار : ـ الثاني : أن حدود الجار أربعون منزلا ، أو داراً .. وقال الشهيد الثاني أنه ذهب إليه الأكثر ، واستدلوا عليه بأكثر من رواية بعضها معتبر سندا[214] .. بالرغم من أن المحقق قد أطّرح هذا القول ووجهه صاحب الجواهر طرح المحقق لهذا القول لمخالفته القطعية للفهم العرفي . ـ الثالث : أن حده إلى أربعين ذراعاً أي ما يقارب من عشرين متراً .. ولم يعلم قائله صراحة من الإمامية ، ونسب القائل به إلى اعتماده على رواية عن عائشة زوجة النبي صلى الله عليه وآله إلا أن المروي عنها في غير واحد من الكتب يتوافق مع أربعين داراً لا ذراعاً . ورأى بعض الفقهاء أن مرجع هذا الرأي إلى القول الأول وهو العرفي ، حيث أن من أوضح مصاديق الجوار عرفا ، من كان بينه وبين جاره عشرون متراً .. فيكون في النتيجة مساويا للقول الأول . وبالتالي ترجع الأقوال الثلاثة إلى قولين : التحديد العرفي ، وأنه يختلف باختلاف الأماكن وسعة الدور وضيقها ، ويختلف الجار في المدينة عما هو عليه في القرية وهما عما عليه في البادية ، مع فرض الاستقرار . والثاني : التحديد الشرعي بأنه أربعون داراً ، بمفاد الروايات المعتبر بعضها .. "والأقوى هو القول الأول ، لأن العرف هو المرجع في معاني الألفاظ الصادرة عن أهل العرف ، وأما القول الثاني فيمكن رجوعه إلى الأول ، لكن الظاهر أن العرف يحكم بأزيد من أربعين ذراعاً خصوصا مع سعة الدور . وأما الأخبار المستدل بها على القول الآخر فمضافا إلى ضعف جملة منها وعدم القائل بها ، حتى أن المحقق في الشرائع بعد نقل القول قال : هو مطرح لا دلالة لها على ما نحن فيه ونحوه مما هو من مجعولات غير الشارع ، فإن التعيين الشرعي إنما يرجع إليه في أحكام الشرع - مثل تأكد استحباب حضور المسجد لجاره ، ومثل استحباب حسن الجوار ، ومثل فضل مجاورة قبور الأئمة ونحوها - لا في مجعولات الناس مثل الوقف والوصية والنذر والحلف ونحوها ، خصوصا مع عدم التفات الواقف إلى المعنى الشرعي بل قد يكون قصده أقل أو أزيد "[215].
--> 211 ) مستدرك الوسائل - الميرزا النوري - ج 8 - ص 424 212 ) شرائع الإسلام 2/447 213 ) مسالك الأفهام 5/343 214 ) في الكافي 2/ 669 : علي بن ابراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل بن دراج ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : حد الجوار أربعون داراً من كل جانب من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله . 215 ) العروة الوثقى السيد اليزدي 6 / 336 : وننقل ذلك تبعا للمطبوع من قبل جماعة المدرسين في قم ، وإن كان هناك مجال للتأمل في نسبته إلى الفقيه اليزدي ، ويرشد إلى ذلك أن عبارته وطريقة استدلاله ، لا ترقى إلى ما هو في الأجزاء السابقة على هذا الجزء ، الذي طبع مستقلا ـ أيضا ـ بعنوان تكملة العروة الوثقى ، وقد أشار بعض محققي الكتاب إلى جملة من التساؤلات حول الكتاب ولكن السؤال الأساس وهو صحة انتسابه إلى المؤلف لم يكن بينها وكان حريا مع وجود تلك الأسئلة ، ومع كون عباراته وطريقته تختلف عن طريقة السيد اليزدي أن يثيروا سؤال النسبة ، ولعل هذا ـ ربما ـ هو الذي دعا أعاظم الطائفة ممن علقوا على الأجزاء السابقة عليه أن لا يعلقوا بحواشيهم على هذا الجزء ، فإننا لم نر أحداً من الفقهاء الذين كانوا يعتنون بالتعليق على العروة ، قد علق على هذا الجزء !