فوزي آل سيف

68

فقه العلاقات الاجتماعية

وبالرغم من أن مطلع الآية يتحدث عن كتابة الدين ، إلا أنه ليس المقصود منه خصوص الدين المصطلح ، الذي يقابل النقد ..وينطبق على القرض ـ ببعض استعمالاته ـ ، وذلك أن " الدين أوسع معنى ، فهو يشمل كل تعامل ، مثل المصالحة والإيجار والشراء والبيع وأمثالها ، بحيث إن أحد الطرفين يصبح مدينا للطرف الآخر . وعليه فهذه الآية تشمل جميع المعاملات التي فيها دين يبقى في ذمة المدين ، بما في ذلك القرض "[207]. علاقــة الجــــوار علاقة الجوار في التوجيهات الأخلاقية : وضع البيئة العربية كان يقتضي أن يكون الجوار مهماً ، بعدما كان الوضع العام ليس مضموناً من قبل القانون ، فكان الغزو والسلب بل السبي ، سيد الموقف ، احتاج العرب إلى وضع قوانين غير مكتوبة تحث على رعاية حق الجار ، الذي يحفظ غيبة جاره ، ( مالا وعرضا ) . ولذا فقد تفنن الشعراء في مدح هذه الصفة وصوروها بصور مختلفة ، فقال قائلهم : ناري ونار الجار واحدة * واليه قبلي ينزل القدر ما ضر جاري إذ أجاوره * أن لا يكون لبيته ستر أعمى إذا ما جارتي خرجت * حتى يواري جارتي الخدر ويصم عما كان بينهما * سمعي وما بي غيره وقر وربما يكون للحالة الاجتماعية لدى العرب أثر في تعظيم أمر الجار ، والاعتماد عليه ، وذلك لما كان عليه العرب من الحروب وإغارة القبائل بعضها على بعض فجأة ، فكان وجود النساء في جوار من يحميهن ، ويحفظ غيبة رجالهن ، وهكذا من يحفظ أمواله وإبله ، أمراً في غاية الأهمية . وجاء الإسلام بتشريعاته فأكد على حرمة الجار وحقوقه ، ولزوم رعايتها ، ضمن إطارين أخلاقي وشرعي ، فالأول مما ينبغي رعايته والقيام به ، والثاني مما يلزم . فقد جاء التأكيد على الإحسان إلى الجار القريب ( مكانا أو نسباً ) والبعيد كذلك ، في سياق الحديث عن أصول عقدية ، من عبادة الله وعدم الشرك به ، والإحسان إلى الوالدين والقرابة واليتامى .. كما في قول الله عز وجل : ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شيئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إحساناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً).[208] وجاءت الأحاديث عن المعصومين عليهم السلام في هذا المجال كثيرة ، ففي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله : من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر فليحسن إلى جاره ) واعتبر من

--> 207 ) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - الشيخ ناصر مكارم الشيرازي - ج 2 - ص 352 208 ) النساء:36