فوزي آل سيف
65
فقه العلاقات الاجتماعية
وهكذا يذكّر التشريع الإسلامي بأن هناك معادلة في الحياة ، تقول بأنه ( كما تدين تدان ) و( عامل الناس بمثل ما تحب أن يعاملوك به ) .. ( وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)[191].. فلتكن معاملاتك إذن ضمن هذا الإطار الأخلاقي ، بالرغم من أن الشرع لا يلزمك به .. إن التوجيهات الأخلاقية الكثيرة في المعاملات ، تصنع إطارا أخلاقياً رائعاً ، يمنع من تحول المعاملات بين المؤمنين إلى سبب للعداوات ، والمشاحنات والمحاكم . وإذا كان شعار معاملات اليوم أن ( القانون لا يحمي المغفلين ) فإن شعار القيم الدينية هو أن ( غبن المسترسل سحب وغبن المؤمن حرام )[192] كما عن الإمام الباقر عليه السلام . ولعلنا نجد في كلام أمير المؤمنين عليه السلام إشارة إلى بعض القيم المطلوبة في المعاملات بين الأشخاص وإن كان بعضها ليس واجبا بالنظر الفقهي ، ولكنه مطلوب أخلاقي : فقد كان أمير المؤمنين عليه السلام يطوف على الناس في السوق ويرفع صوته لكي يسمعوا قائلا : تبركوا بالسهولة واقتربوا من المبتاعين وتزينوا بالحلم وتناهوا عن اليمين وجانبوا الكذب وتجافوا عن الظلم وانصفوا المظلومين ولا تقربوا الربا وأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين [193]. كما نهى عن مجموعة من الممارسات لما تخلفه من أثر سيء في المجتمع المسلم ، مثل الدخول في سوم المسلم ، وهو ما يعبر عنه اليوم الدخول على خط الصفقة واختطافها من المشتري بزيادة في الثمن .. ونهى أيضا عن النجش وهو الزيادة الصورية ، وغير الحقيقية التي يظهرها شخص لا يريد شراء السلعة ، وإنما يقوم بذلك لكي يرتفع سعرها .. وهذا ما يحصل ـ وبالاتفاق أحياناً ـ في أماكن المزايدات و( الحراج ) . فـ " عن الصادق عن آبائه عليهم السلام في حديث المناهي قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يدخل الرجل في سوم أخيه المسلم [194].. وواضح ما لدخول الرجل في سوم أخيه من أثر في نفسه ، فالبائع والمشتري أو المؤجر والمستأجر حينما يتعاملان ويكونان قد اتفقا أو كادا أن يتفقا على معاملة ، فياتي شخص آخر ليأخذ الصفقة لنفسه ، سيؤثر هذا العمل كراهة في نفس من كان موشكاً على أخذ الصفقة له ، وصفاء نفوس المسلمين فيما بينهم هدف مطلوب في جميع التشريعات الإسلامية . أما النجش فهو أن يزيد الرجل في ثمن السلعة وهو لا يريد شراءها ليسمعه غيره فيزيد بزيادته ، وهذا العمل منهي عنه بالحديث عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : لا تناجشوا ولا تدابروا )"[195] . وإذا كانت المعاملات ـ بطبيعتها ـ تخلو من العواطف والمشاعر ، وحسبما قال بعضهم ( السوق لا يعرف المشاعر والعواطف ) فإن الدين يرغّب في أن يكون الصلح والتنازل والتسامح منتهى الحلول وذلك أن ( َالصُّلْحُ خَيْرٌ)[196] ، ولا مانع يمنع منه فإن بعض المعوقات التي تعيق المعاملة كالجهالة بالثمن أو بالسلعة في البيع مثلاً ، لا تؤثر في الصلح .. بل ( الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراماً أو حرم حلالاً [197] كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله . ومن المناسب أن نشير هنا إلى عدد من الأمور الضرورية عند إجراء المعاملة[198] :
--> 191 ) النور: من الآية22 192 ) وسائل الشيعة 17/295 193 ) الكافي - الشيخ الكليني - ج 5 - ص 151 194 ) وسائل الشيعة - الحر العاملي - ج 17 – ص 458 195 ) البهادلي ، د. أحمد : آداب العشرة / 480 196 ) النساء: من الآية128 197 ) من لا يحضره الفقيه - الشيخ الصدوق - ج 3 - ص 32 198 ) للتفصيل يمكن مراجعة كتاب ( القضايا المالية : مقاربة شرعية ) لكاتب هذه الصفحات .