فوزي آل سيف

51

فقه العلاقات الاجتماعية

فعن المفضل قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : من آجر نفسه فقد حظر على نفسه الرزق : وفي رواية أخرى : كيف لا يحظره وما أصاب فهو لربه الذي آجره [160]. غير أن هذا لا يمكن للأكثر ، فإن طبيعة الحياة المعاصرة تقتضي أن يتعامل مع الآخرين ، فيخدم بعضهم كما يخدمه البعض الآخر ( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً )[161] . ولعل المقصود من الحديث المتقدم ذكره أن يسعى الإنسان لكي يكون جهده كله له ، وربحه بالتالي لنفسه ، لا أن يعمل لغيره ، فالتاجر مثلاً وإن كان يخدم غيره ـ في النتيجة ـ من خلال جلب البضائع وتوزيعها ، ولكن أرباحه تنتهي إليه ، فإذا زاد عمله زاد ربحه ، والدكتور الذي يعمل في مطبه الخاص كذلك ، بخلاف الموظف الذي يعمل في شركة أو لدى الحكومة ، فإن جهده الذي يبذله ونجاحه الذي يحققه يصب في جيب شخص آخر أو جهة أخرى ، حتى وإن استلم في مقابل ذلك مالا .. وربما يؤيد ذلك ما ورد في حياة الأنبياء والأولياء ، في أنهم كانوا يعملون بيدهم ـ لأنفسهم ـ فقد كان ادريس خياطا كما قيل ، وداود قد ( عَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ)[162] فكان يصنع الدروع ويبيعها ، ونبينا محمد صلى الله عليه وآله ، قد عمل في التجارة مع خديجة على نحو المضاربة كما ذهب إليه بعض المحققين لا على نحو الاستئجار . هذا التفضيل للعمل للذات ، لا ينفي أن يعمل الإنسان لغيره لو لم يجد غيره ، فإن للعمل والكد للمعاش قيمة مهمة .. قد تتفاوت درجاتها ولكن أصلها مما لا خلاف عليه . ويأتي استئجار نبي الله شعيب لموسى بن عمران في الحادثة المذكورة في هذا السياق ، خصوصا إذا نظرنا إلى الآثار التي ترتبت عليها من تعلم موسى بن عمران ـ قبل بعثه بالرسالة ـ على يد نبي الله شعيب مدة عشر سنين ، وحصوله على الزوجة وأيضا على ثروة من الغنم [163]. ولسنا بحاجة للتأكيد على أهمية العمل الدنيوي والمعاشي ـ في أي مستوى من المستويات السابقة ـ وقداسته ، فإنه من الأمور التي لا تحتاج إلى ذلك بعد ورود الكثير من الروايات كما روي عن أحدهم أنه قال : رأيت أبا الحسن ـ أي الكاظم عليه السلام يعمل في أرض له قد استنقعت قدماه في العرق ، فقلت له : جعلت فداك .. أين الرجال ؟ فقال : يا علي قد عمل باليد من هو خير مني في أرضه ومن أبي ، فقلت له : ومن هو ؟ فقال : رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين وآبائي ( عليهم السلام ) كلهم كانوا قد عملوا بأيديهم وهو من عمل النبيين والمرسلين والأوصياء والصالحين[164]. وأنه طاعة من طاعات الله بحيث لو جاء الموت الإنسان وهو في طلب الرزق لجاءه وهو على طاعة الله[165] . ونعود من جديد إلى التأكيد على بعض النقاط الأساسية في موضوع العمل : 1/ لا بد من معلومية متعلق الاتفاق وتحديده : فإذا كان الاتفاق على إجارة شيء أو متاع أو مكان ، فلا بد من أن يكون معلوما ، فالدار أو غرفة الفندق أو الدكان ، وهكذا السيارة لو أريد استئجارها ، وغير ذلك لا بد أن يكون معلوما .. إما بالمشاهدة لما تعلقت به الإجارة أو بذكر الأوصاف بنحو يرتفع معه الغرر والجهل .

--> 160 ) وسائل الشيعة - الحر العاملي - ج 19 - ص 103 161 ) الزخرف: من الآية32 162 ) الأنبياء: من الآية80 163 ) قال بعض المفسرين إن النبي شعيبا وعد موسى أن يعطيه من نتاج الاناث كل ما ولد في عامه بلقا ( فيه بياض وسواد ) ، فاتفق أن جمع المواليد من النعاج في ذلك العام كانت بهذه الصفة فاعطاها كلها له . 164 ) الكافي - الشيخ الكليني - ج 5 / 75 165 ) حوار بين الإمام محمد بن علي الباقر عليه السلام وبين محمد بن المنكدر / المصدر السابق .