فوزي آل سيف

43

فقه العلاقات الاجتماعية

وعندما يكون المشرع أمام حالة اجتماعية من هذا القبيل ، فإنه لا يلاحظ حالات الاستثناء وذات الاحتمال القليل ، وهي تلك التي يعتصم فيها كل من الشاب والشابة باحترام نفسه واحترام الطرف المقابل ، ويتعامل معه على أساس أنه إنسان لا على أساس أنه جنس مختلف ومحط لشهوته .. وإنما يتوجه إلى الحالة الغالبة ، فيقرر القانون المناسب لها ، ويعممه على الجميع . ولنضرب بعض الأمثلة المعاصرة لتقريب الصورة : ففي قانون المرور يلزم الجميع بمراعاة الإشارات المرورية الضوئية للحفاظ على النظام العام وسلامة الناس ، فلا تنطلق السيارة التي أمامها إشارة حمراء ، بينما تنطلق صاحبة الإشارة الخضراء .. وقد يقول قائل إنني من الدقة والمهارة بحيث أستطيع أن اضمن أن لا اصطدم بأحد ولا أخل بالنظام .. فلا يلزم أن أتابع إشارة المرور وقانون التوقف .. يقال له : بل يلزم عليك حتى أنت[145] ! وبنظر عام فإن الشارع المقدس يريد أن يسد جميع الأبواب التي يتطرق من خلالها الفساد في المجتمع .. ولو فرضنا أن زيدا من الناس لو قام بذلك العمل لا يتحقق منه الفساد .. فإن هذا هو شأن النظم والقوانين ، أنها توضع بملاحظة الحالة العامة والغالبة في المجتمع ولا توضع مع ملاحظة الحالات الفردية أو الخاصة . إنطلاقاً من هذه الملاحظة فإن عددا من التشريعات التي تتعرض إلى العلاقة بين الرجل والمرأة تلاحظ هذه الجهة وهي سد أبواب الفساد المحتملة .. ولا نريد أن نتبنى هنا قاعدة ( سد الذرائع )[146] فإنه لم يقم عليها على إطلاقها دليل ، بل ربما صارت ـ لو كانت مطلقة ـ معيقة لكثير من أوجه النشاط الاجتماعي . وإنما نريد القول إن حكمة كثير من التشريعات في أمر هذه العلاقة تريد أن تنتهي إلى أن ينظر كل منهما ( الرجل والمرأة ) إلى الآخر بنظر إنساني لا شهواني ، فينظر إلى شخصيته وروحه لا إلى جسده .. ومنع جملة من الممارسات التي قد تفتح باباً أو أكثر من أبواب الفساد الاجتماعي . 1/ فمن ذلك تحريم الخلوة بين الطرفين إذا لم يؤمن وقوع الحرام منهما: : والمقصود من الخلوة المحرمة : أن لا يكون معهما ثالث من ذكر أو أنثى بحيث يحتشم جانبه .. وأن يكونا بحيث يأمنان من دخول أحد عليهما .. فإذا خيف وقوع الحرام حرمت . وقد استدل بعض على حرمة الخلوة مطلقاً ( أي عنوان الخلوة بغض النظر عن أدائها إلى الحرام ) .. بما روي عن النبي أنه أخذ على النساء أن لا يقعدن مع الرجال في الخلاء ، وما ورد

--> 145 ) في استفتاء للسيد السيستاني : هل يجوز شرعاً مخالفة الأنظمة المرورية ، فعلى سبيل المثال أن يقوم الفرد بقيادة مركبته بسرعة تتجاوز السرعة المسموح به ؟ أجاب : لا يجوز وعلى الخصوص إذا لم يأمن الحادث والإضرار بالنفس أو الغير .. راجع sistani.org 146 ) الذريعة هي الوسيلة المفضية إلى أحد الأحكام الخمسة، وتأخذ تلك الوسيلة ـ كما ذكره أصوليو الجمهور ـ حكم ما يتوصل بها إليه، وجعلوا هذه قاعدة مهمة، وفرعوا عليها كما ذكر الشهيد الأول في القواعد والفوائد فروعا ربما وصلت إلى الألف!! بينما هي كما ذكر السيد محمد تقي الحكيم في الأصول العامة للفقه المقارن ـ مع غض النظر عن صلاحية ما استدلوا به من الأدلة عليها ـ لا تعدو كونها من صغريات السنة أو العقل.. قال السيد الحكيم: لأن اكتشاف حكم المقدمة أما أن يستفاد من العقل بقاعدة الملازمة، بمعنى أن العقل يحكم بوجود ملازمة بين الحكم على شيْ والحكم على مقدمته، فإذا علمنا أن الشارع قد حكم على ذي المقدمة بالوجوب فقد علمنا بحكمه على المقدمة كذلك، وعندها تكون من صغريات حكم العقل وليست أصلاً برأسه، وأما أن يستفاد من طريق الملازمة اللفظية أي من الدلالة الالتزامية لأدلة الأحكام، كما هو مبنى فريق بدعوى أن اللفظ الدال على وجوب الصلاة هو بنفسه يدل على لازمه وهو وجوب مقدماتها، وعليها يكون وجوب المقدمات مدلولا للسنة، فتكون المسألة من صغريات دليل السنة، وقد عرفت أن الأدلة السمعية التي ساقها ابن القيم على كونها أصلاً لا تعدو أن تكون إرشادية لحكم العقل بالملازمة. فقول مالك وأحمد وابن تيمية وابن القيم: أنها من أصول الأحكام في مقابل بقية الأصول، لا يتضح له وجه.