فوزي آل سيف
31
فقه العلاقات الاجتماعية
الثانوية ، كانشغال الإنسان الاجتماعي بالحاجات العامة ، ونسيانه لواجباته وتهذيب نفسه ، أو وقوعه مع المعاشرة في محاذير النفاق أو الكذب ، وغيرها وما إلى غير ذلك مما ذكروه. وفي مقابل هذه الروايات المحببة للإعتزال فإن هناك روايات أخر تشير إلى فضيلة المعاشرة والتواصل مع الناس ، وحيث أننا وصلنا إلى هذه الجهة نورد عددا من الروايات من كل جانب ثم نشير إلى وجه الجمع بينهما حيث أن الظاهر هو مخالفة كل جانب للجانب الآخر .. فمما ورد في تحبيب العزلة ، والانكفاء عن الناس : ـ ما روي عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم ، أنه قال لهشام بن الحكم : يا هشام الصبر على الوحدة علامة قوة العقل فمن عقل عن الله اعتزل أهل الدنيا والراغبين فيها ورغب فيما عند الله .[113] وفي غرر الحكم عن أمير المؤمنين علي عليه السلام : ـ من انفرد عن الناس آنس بالله سبحانه . ـ الانفراد راحة المتعبدين . ـ من انفرد عن الناس صان دينه . ـ السلامة بالتفرد . وعن الوليد بن صبيح قال سمعت أبا عبد الله ( جعفر بن محمد ) عليه السلام يقول : لولا الموضع الذي وضعني الله فيه لسرني أن أكون على رأس جبل لا أعرف الناس ولا يعرفوني حتى يأتيني الموت . وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحب الناس إلي منزلة رجل يؤمن بالله ورسوله ويقيم الصلاة ويؤتى الزكاة ويعمر ما له ويحفظ دينه ويعتزل الناس . وعن علي بن أبي طالب عليه السلام : في اعتزال أبناء الدنيا جماع الصلاح . وروي عنه أيضا قوله: يأتي على الناس زمان يكون العافية عشرة أجزاء تسعة منها في اعتزال الناس وواحدة في الصمت . وأوصى الإمام الصادق حفص بن غياث فقال : إن قدرت أن لا تخرج من بيتك فافعل فأن عليك في خروجك أن لا تغتاب ولا تكذب ولا تحسد ولا ترائى ولا تتصنع ولا تداهن ثم قال نعم صومعة المسلم بيته يكف فيه بصره ولسانه ونفسه وفرجه .. وفي مقابل هذه الروايات توجد روايات ، تشير إلى فضيلة المعاشرة ، والحضور الاجتماعي ، والتعايش مع الناس ، وتوصي بذلك ، مثل ما ورد في الكافي وصية الإمام الصادق لشيعته بأن تكون صلاتهم في المساجد وأن يحسنوا جوار الناس ، وأن يقيموا الشهادة ، ويحضروا جنائز الآخرين ، ويعلل ذلك بقضية اجتماعية يتفق عليها العقلاء بأن الناس لا يستغنون عن بعضهم : ـ عليكم بالصلاة في المساجد وحسن الجوار للناس وإقامة الشهادة وحضور الجنائز ، إنه لابد لكم من الناس .. إن أحداً لا يستغني عن الناس حياته والناس لابد لبعضهم من بعض . ويرى أحد الصادقين عليهما السلام أن : الانقباض من الناس مكسبة للعداوة [114]. ويعاتب الإمام عليه السلام ، من لا يتواصل مع غيره بأنه ألا يستحي أن يكون ذلك الشخص عارفا بحقه وجيرته ، بينما لا يعرف هو حق جاره ؟ ـ عليكم بالورع والاجتهاد واشهدوا الجنائز وعودوا المرضى واحضروا مع قومكم مساجدكم وأحبوا للناس ما تحبون لأنفسكم أما يستحيي الرجل منكم أن يعرف جاره حقه ولا يعرف حق جاره .
--> 113 ) السيد البروجردي ، جامع أحاديث الشيعة 14 /195 114 ) الكافي - الشيخ الكليني - ج 2 - ص 635 - 638