فوزي آل سيف

21

فقه العلاقات الاجتماعية

2/ ومنها ما يرتبط بإساءة استعمال الولاية ، بالعناد للبنت ، أو العضل لها عن التزوج بالكفء من الأزواج . ومما يؤسف له أننا نجد حالات من هذا القبيل في مجتمعات المسلمين ، تتعدد صورها وتتحد نتيجتها وهي ( ظلم البنت ومنعها عن الزواج ) فإن الوسائل الإعلامية تنقل صورا سيئة : منها : ذلك الأب الذي كان يمنع الأزواج عن ابنته لكونها موظفة وهو يستلم راتبها أو أكثره ، فإذا جاءها خاطب صرفه من دون أن يخبرها عن ذلك ، قائلا أنها لا تريد الزواج الآن أو أنها غير موافقة عليه ، وهي لا تعلم بشيء أصلاً ! إلى أن بلغت من العمر ما فاتها به نصيب الزواج .. لقد حول هذا الوالد ابنته إلى مزرعة يستثمرها ولا يعمرها ! بل وجدنا ما هو الأسوأ في بعض المجتمعات القبلية البدوية ، حيث أن عندهم ـ كتقاليد أو كرأي فقهي ـ أن المرأة لا تستطيع الزواج إلا بولي ، ومع عدم الوالد يكون العم وابن العم وهكذا .. وتعطلت إلى أن انتهى هؤلاء من الحياة فأصبح بإمكانها أن تتزوج[87] ! في فقه أهل البيت لو فرض أن الأب أو الجد عضل ابنته عن الزواج بالكفء أو عاندها في ذلك .. فإن ولايته عليها تسقط وتستطيع أن تزوج نفسها من غير اذنه ! وقد نهى القرآن الكريم عن عضل النساء ، وسواء كان الخطاب هناك للأولياء[88] أو للمطلقين ، فإن النهي حاصل عن المبدأ . 3/ إذا اعتزل الولي أمر البنت وتركها لشأنها ، كما يحصل في بعض الأسر عندما تكون هناك مشاكل تنتهي إلى أن يترك الأب الأسرة ولا يتدخل في أي شأن من شؤونها فلا هو يصرف عليهم أو ينفق ولا يسأل عن أمورهم ، ويعيش حياته الخاصة بعيدا عنهم ، فهنا أيضا يسقط لزوم استئذانه ، ولا يعود يملك الولاية المجعولة له ، والتي كانت منوطة به على أساس أنه يفكر في مصلحة البنت ويبحث عن الغبطة لها . ومن ذلك ما لو غاب الأب بنحو لا يمكن الوصول إليه ، مثل أن يكون قد خرج للتجارة واختفت آثاره ولا تستطيع البنت الصبر إلى حين عودته غير المعلومة ، ولا يمكن الوصول إليه لاستئذانه ، فهنا أيضا يسقط إذنه . وهذا الذي ذكرناه يحدث كثيراً في أوقات الأزمات الاجتماعية كحال الحروب أو التهجير الجماعي . 4/ ما عبر عنه الفقهاء بسقوط الولي عن أهلية الإذن مثل أن يكون مجنوناً[89] ، ومن هو في حكم ذلك مثل المدمن على المخدرات الذي لا يفيق ولا يميز الصالح من الطالح بل لا يشعر في أي عالم يعيش !

--> 87 ) ومن ذلك ما نشرته جريدة "الوطن" السعودية قي يوم الثلاثاء 1-7-2008، عن امرأة تزوجت أخيرا في عمر الستين عاما ! قائلة إنها أجبرت على البقاء دون زواج هذه الفترة الطويلة، لإصرار والدها على تزويجها، وشقيقاتها الثلاث الأصغر (56 و48 و44 عاماً)، من رجال من نفس القبيلة. ولفتت إلى أن "انفراج" أزمتها بدأ مع وفاة الوالد قبل 26 عاماً، لكنه لم يكتمل إلا بوفاة الأعمام، لتتمكن الأسرة من استقبال العرسان من خارج القبيلة. وأشارت "العروس" إلى أن أول عريس تقدم لها كان قبل 40 عاماً، لكن عضل والدها لها وأعمامها لها ولشقيقاتها أجبرها على تأجيل فرحتها طول هذه المدة . وأكدت وجود الكثيرات من بنات أقاربها بلا زواج لنفس السبب، مشيرة إلى أن والدها لم يسمح لها ولأخواتها بالذهاب إلى المدرسة، وقام باستجلاب معلمات لتدريسهن في البيت وتعليمهن القرآن الكريم. 88 ) اختلف في سبب نزول آية (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ)(البقرة: من الآية232) في أنها نزلت في جابر بن عبد الله وأنه عضل ابنة عم له ! أو أنها نزلت في معقل بن يسار وأنه عضل أخته عن الرجوع إلى زوجها بعد طلاقه إياها .. 89 ) يسقط اعتبار إذن الأب أو الجد للأب في نكاح الباكرة الرشيدة إذا منعاها من الزواج بكفئها شرعاً وعرفا ، أو اعتزالا التدخل في أمر زواجها مطلقاً ، أو سقطا عن أهلية الإذن لجنون أو نحوه ، وكذا إذا لم تتمكن من استئذان أحدهما لغيابهما مثلاً فإنه يجوز لها الزواج حينئذ مع حاجتها الملحة إليه فعلا من دون إذن أحدهما . منهاج الصالحين - السيد السيستاني - ج 3 - ص 28