فوزي آل سيف
11
فقه العلاقات الاجتماعية
التصرف بأموالنا كما نشاء ؟ والفرض أنك إنسان عاقل تعرف الصلاة وحدودها ، والسوق ومتطلباته وهي تختلف عن متطلبات الصلاة ! " إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ". لقد احتج قوم لوط على نبيهم بأنه لا تخالف بين إيمانهم بالله واعتقادهم به ، وبين أن يفعلوا في شهواتهم ما يشاؤون ! وهكذا الحال بالنسبة لكفار قريش كانوا لا مانع لديهم من الناحية النظرية أن يؤمنوا بالله ، لكن بشرط أن لا يؤثر ذلك على اقتصادهم وعبيدهم وسياستهم وهكذا ! ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ )[47] . المشكلة التي كانت تؤرق الجاحدين والكفار هي ما وراء هذا الإيمان القلبي ، فهذا موسى يقول : ( يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ)[48] ، ولم يكن ذلك استثنائيا لفرعون ، غير أن الاستثنائي بالنسبة له هو قوله ( فأرسل مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) ، هذه هي العقدة وهو أنني صاحب رسالة تحرير لهذا المجتمع الإسرائيلي . ولك أن لا تذهب بعيداً ، بل انظر في الرسالة العملية وهي تعبر عن الأحكام الفقهية المرتبطة بالمكلفين ، سترى فيها أحكام العبادات ، وهي تمثل العلاقة بين المكلف وبين خالقه ، وفيها أيضا أحكام المعاملات وهي تلك التي هي تنظم جملة حياته .. كيف يبني علاقته الزوجية ؟ كيف يضارب وينمي ماله بالحلال ؟ كيف يبيع ؟ كيف يؤجر؟ وكيف يستأجر؟ وهذا يشير إلى كون الدين نظاما عاما للحياة . العلاقة بين الوالد والولد " وَوَصَّيْنَا الْإنسان بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أمه وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ "[49]. الفصل بين أضلاع الرسالة وخطاباتها : سبق أن ذكرنا أن كل رسالة سماوية لها ثلاثة أضلاع : عقدي ، وأخلاقي ، وقانوني فقهي ومن الواضح أن لكل من هذه الجوانب خطابه الخاص ، وآثاره التي لا تتطابق بالضرورة في كل التفاصيل مع الآخر ـ مع أنها منسجمة في العموم ـ . غير أن الذي يحدث هو شيء من الخلط بين تلك الجوانب ، ويحدث الخطأ على أثره . مثلا : عندما يخلط البعض جانب الفقه الذي هو مرتبط بالفعل ، بالعقائد التي هي مرتبطة بالقلب ، يأتي البعض ليقول أن المهم عنده هو الإيمان وليس الصلاة أو الصيام .. بل ربما تشكلت فرق على هذا الأساس كبعض الصوفية الخاطئين الذين يتحدثون عن أنهم وصلوا إلى معرفة الله واليقين به ، وبالتالي فلا حاجة إلى صلاتهم !! أو عندما يقوم بخلط الجانب الأخلاقي بالجانب القانوني فينتهي إلى نتائج خاطئة ، مثل ما يقوله بعضهم لتبرير سيطرته على أموال ولده بأن النبي صلى الله عليه وآله قال لذلك الرجل : أنت ومالك لأبيك !! فإذن يجوز له أن يأخذ من أموال ولده ما يشاء[50] !
--> 47 ) لقمان25. 48 ) الأعراف 104 49 ) سورة لقمان 14-15 50 ) ذكر لي أحد المشايخ أنه كان وسيطا لحل مشكلة بين والد وولده نشأت من هذا الفهم الخاطئ للحديث فقد وكل الولد أباه أن يشتري له قطع أراض ( أي للولد ) وأعطاه ثمنها ، فلما اشتراها الأب رفض أن يسلمها لابنه ، مع اعترافه بأن ثمنها كان من الولد ، ولكن قال ( يقول النبي : أنت وما تملك لأبيك ) ! هكذا زعم وكان جادّاً بحيث تحولت إلى مشكلة بينهما .