ابن أبي الحديد
81
شرح نهج البلاغة
الذين صرفوها عنه بادئ بدء فليتني أراكم بعدي يا عبد الله ! إن الحرص محرمة ، وإن دنياك كظلك كلما هممت به ازداد عنك بعدا . نقلت هذا الخبر من ( أمالي أبى جعفر محمد بن حبيب ) رحمه الله . ونقلت منه أيضا ما رواه عن ابن عباس ، قال : تبرم عمر بالخلافة في آخر أيامه ، وخاف العجز ، وضجر من سياسة الرعية ، فكان لا يزال يدعو الله بأن يتوفاه ، فقال لكعب الأحبار يوما وانا عنده : إني قد أحببت أن أعهد إلى من يقوم بهذا الامر وأظن وفاتي قد دنت ، فما تقول في علي ؟ أشر على في رأيك وأذكرني ما تجدونه عندكم ، فإنكم تزعمون أن أمرنا هذا مسطور في كتبكم ، فقال : أما من طريق الرأي فإنه لا يصلح ، إنه رجل متين الدين ، لا يغضي على عورة ولا يحلم عن زلة ولا يعمل باجتهاد رأيه وليس هذا من سياسة الرعية في شئ وأما ما نجده في كتبنا فنجده لا يلي الامر ولا ولده ، وإن وليه كان هرج شديد ، قال : كيف ذاك ؟ قال : لأنه أراق الدماء ، فحرمه الله الملك . إن داود لما أراد أن يبنى حيطان بيت المقدس أوحى الله إليه إنك لا تبنيه لأنك أرقت الدماء وإنما يبنيه سليمان ، فقال عمر : أليس بحق أراقها ؟ ، قال كعب : وداود بحق أراقها يا أمير المؤمنين ، قال : فإلى من يفضي الامر تجدونه عندكم ؟ قال : نجده ينتقل بعد صاحب الشريعة والاثنين من أصحابه ، إلى أعدائه الذين حاربهم وحاربوه ، وحاربهم على الدين . فاسترجع عمر مرارا ، وقال أتستمع يا بن عباس ! أما والله لقد سمعت من رسول الله ما يشابه هذا ، سمعته يقول : ليصعدن بنو أمية على منبري ، ولقد أريتهم في منامي ينزون عليه نزو القردة " وفيهم أنزل ( وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ) ( 1 )
--> ( 1 ) سورة الإسراء 60 .