ابن أبي الحديد

60

شرح نهج البلاغة

فقال له : يا أبا بكر ، ألم يكن وعدنا أننا سندخل مكة ، فأين ما وعدنا به ؟ فقال أبو بكر : أقال لك : إنه العام يدخلها ؟ قال : لا قال : فسيدخلها ، فقال : فما هذه الصحيفة التي كتبت ؟ وكيف نعطي الدنية من أنفسنا ! فقال أبو بكر : يا هذا الزم غرزه ( 1 ) فوالله انه لرسول الله وإن الله لا يضيعه . فلما كان يوم الفتح وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة قال : ادعوا لي عمر ، فجاء فقال : هذا الذي كنت وعدتكم به ( 2 ) . * * * لما قتل المشركون يوم بدر أسر منهم سبعون أسيرا ، فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم أبا بكر وعمر فقال أبو بكر يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والاخوان ، وأرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على المشركين وعسى أن يهديهم الله بعد اليوم ، فيكونوا لنا عذرا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما تقول أنت يا عمر ؟ قال : أرى أن تمكنني من فلان - قريب لعمر - فأضرب عنقه وتمكن عليا من عقيل ، فيضرب عنقه ، وتمكن حمزة من أخيه فيضرب عنقه حتى يعلم الله أنه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين . اقتلهم يا رسول الله ، فإنهم صناديدهم وقادتهم فلم يهو رسول الله ما قاله عمر . قال عمر : فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوجدته قاعدا وأبو بكر وهما يبكيان ، فقلت : ما يبكيكما ؟ حدثاني ، فإن وجدت بكاء بكيت وإلا تباكيت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أبكى لاخذ الفداء لقد عرض على عذابكم أدنى من هذه الشجرة - لشجرة قريبة منه .

--> ( 1 ) الزم غرزه ، أي أمره ونهيه ( 2 ) الرياض النضرة 2 : 44