ابن أبي الحديد

38

شرح نهج البلاغة

قدم عمر الشام فلقيه أمراء الأجناد وعظماء تلك الأرض فقال : وأين أخي ؟ قالوا : من هو ؟ قال : أبو عبيدة ، قالوا : سيأتيك الان ، فجاء أبو عبيدة على ناقة مخطومة بحبل فسلم عليه ورد له ، ثم قال للناس : انصرفوا عنا فسار معه حتى أتى منزله فنزل عليه ، فلم ير فيه الا سيفا وترسا ، فقال له : لو اتخذت متاع ! البيت قال : حسبي هذا يبلغني المقيل . * * * وروى طارق بن شهاب ان عمر لما قدم الشام عرضت له مخاضة ( 1 ) فنزل عن بعيره ، ونزع جرموقيه ( 2 ) فأمسكهما بيده ، وخاض الماء وزمام بعيره في يده الأخرى ، فقال له أبو عبيدة : لقد صنعت اليوم صنيعا عظيما عند أهل هذه الأرض ! فصك في صدره ، وقال : لو غيرك قالها يا أبا عبيدة ! انكم كنتم أذل الناس وأحقر الناس وأقل الناس فأعزكم الله بالاسلام ، فمهما تطلبوا العز بغيره يرجعكم إلى الذل . * * * وروى محمد بن سعد صاحب الواقدي ، أن عمر قال يوما على المنبر : لقد رأيتني وما لي من أكال ( 3 ) يأكله الناس إلا أن لي خالات من بنى مخزوم ، فكنت استعذب ( 4 ) لهن الماء ، فيقبضن لي القبضات من الزبيب ، فلما نزل قيل له : ما أردت بهذا قال : وجدت في نفسي بأوا فأردت أن أطأطئ منها .

--> ( 1 ) المخاضنة : موضع الخوض من الماء . ( 2 ) الجرموق : ما يلبس فوق الخف وقاية له . ( 3 ) الأكال ، كسحاب : الطعام ، ويقولون : ( ما ذقت أكالا ) . ( 4 ) يستعذب الماء : أي يطلب الماء العذب . ( 5 ) البأو : العجب والخيلاء .