ابن أبي الحديد
33
شرح نهج البلاغة
فجعلت ان أردت الدنيا أضررت بالآخرة ، وان أردت الآخرة أضررت بالدنيا وإذا كان الامر هكذا ، فأضروا بالفانية . * * * خرج عمر يوما إلى المسجد ، وعليه قميص في ظهره أربع رقاع ، فقرأ حتى انتهى إلى قوله : ( وفاكهة وأبا ) ( 1 ) فقال : ما الأب ؟ ثم قال : ان هذا لهو التكلف ! وما عليك يا بن الخطاب الا تدرى ما الأب ! * * * وجاء قوم من الصحابة إلى حفصة فقالوا : لو كلمت أباك في أن يلين من عيشه ، لعله أقوى له على النظر في أمور المسلمين ! فجاءته فقالت : إن ناسا من قومك كلموني في أن أكلمك في أن تلين من عيشك . فقال : يا بنية ، غششت أباك ونصحت لقومك . * * * وروى سالم بن عبد الله بن عمر ، قال : لما ولى عمر قعد على رزق أبى بكر الذي كان فرضه لنفسه ، فاشتدت حاجته ، فاجتمع نفر من المهاجرين ، منهم على وعثمان وطلحة والزبير وقالوا : لو قلنا ( 3 ) لعمر يزيد في رزقه ! فقال عثمان : انه عمر ، فهلموا فلنستبن ( 3 ) ما عنده من وراء وراء ، نأتي حفصة فنكلمها ونستكتمها أسماءنا . فدخلوا عليها ، وسألوها ان تكلمه ولا تخبره بأسماء من اتاها الا ان يقبل . فلقيت عمر في ذلك ، فرأت الغضب في وجهه ، وقال : من اتاك ؟ قالت : لا سبيل إلى ذلك ، فقال : لو علمت من هم لسوأت أوجههم ، أنت بيني وبينهم ! نشدتك الله ما أفضل ما اقتنى رسول الله صلى الله عليه وآله في بيتك من الملبس ؟ قالت : ثوبان ممشقان ( 4 ) ، كان يلبسهما للوفد ويخطب
--> ( 1 ) سورة عبس 31 . وفى الكشاف 4 : 563 ( الأب : المرعى ، لأنه يؤب ، أي يؤم وينتج . وروى عن أبي يكر أنه سئل عن الأب ، فقال : أي سماء تظلني ، وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله مالا علم لي به ) ! ( 2 ) ا : ( كلمنا عمر ) . ( 3 ) ب : ( فلنستبرئ ) . ( 4 ) ثوب ممشق : مصبوغ .