ابن أبي الحديد

261

شرح نهج البلاغة

ومن جملة المطاعن انه أمر بضرب الأعناق ان تأخروا عن البيعة أكثر من ثلاثة أيام ، ومعلوم انهم بذلك لا يستحقون القتل ، لأنهم إذا كانوا إنما كلفوا ان يجتهدوا آراءهم في اختيار الإمام ، فربما طال زمان الاجتهاد ، وربما قصر بحسب ما يعرض فيه من العوارض ، فأي معنى للامر بالقتل إذا تجاوزوا الأيام الثلاثة ! ثم إنه أمر بقتل من يخالف الأربعة ، ومن يخالف العدد الذي فيه عبد الرحمن ، وكل ذلك مما لا يستحق به القتل . فاما تضعيف أبى على لذكر القتل فليس بحجة ، مع أن جميع من روى قصة الشورى روى ذلك ، وقد روى الطبري [ ذلك ] ( 1 ) في تاريخه وغيره . فاما تأوله الامر بالقتل على أن المراد به إذا تأخروا على طريق شق العصا ، وطلب الامر من غير وجهه ، فبعيد من الصواب ، لأنه ليس في ظاهر الخبر ذلك ، ولأنهم إذا شقوا العصا ، وطلبوا الامر من غير وجهه من أول يوم ، وجب ان يمنعوا ويقاتلوا ، فأي معنى لضرب الأيام الثلاثة اجلا ! فاما تعلقه بالتهديد ، فكيف يجوز ان يتهدد الانسان على فعل بما لا يستحقه : وان علم أنه لا يعزم عليه ! فاما قوله تعالى : ( لئن أشركت ليحبطن عملك ) ( 2 ) فيخالف ما ذكر ، لان الشرك يستحق به إحباط الأعمال ، وليس يستحق بالتأخير عن البيعة القتل . فاما ادعاء صاحب الكتاب ان الجماعة دخلوا في الشورى على سبيل الرضا ، وان عبد الرحمن اخذ عليهم العهد ان يرضوا بما يفعله ، فمن قرأ قصة الشورى على وجهها ، وعدل عما تسوله النفس من بناء الاخبار على المذاهب ، علم أن الامر بخلاف ما ذكر . وقد روى الطبري في تاريخه عن أشياخه من طرق مختلفة ، ان أمير المؤمنين عليه السلام قال حين خرج من عند عمر بعد خطابه للجماعة بما تقدم ذكره لقوم كانوا معه من بني هاشم : إن طمع فيكم قومكم لم تؤمروا ابدا . وتلقاه العباس بن عبد المطلب

--> ( 1 ) من الشافي . ( 2 ) سورة الزمر 65