ابن أبي الحديد
260
شرح نهج البلاغة
امركم لحمكم على المحجة البيضاء ، قالوا : من هو ؟ قال : هذا المولى من بينكم ، قالوا : فما يمنعك من ذلك ؟ قال : ليس إلى ذلك سبيل . وفى خبر آخر ، رواه البلاذري في تاريخه ، أن عمر لما خرج أهل الشورى من عنده ، قال : ان ولوها الأجلح ( 1 ) سلك بهم الطريق ، فقال عبد الله بن عمر : فما يمنعك منه يا أمير المؤمنين ؟ قال : أكره ان أتحملها حيا وميتا . فوصف كما ترى كل واحد من القوم بوصف قبيح يمنع من الإمامة ، ثم جعلها في جملتهم ، حتى كان تلك الأوصاف تزول في حال الاجتماع ونحن نعلم أن الذي ذكره إن كان مانعا من الإمامة في كل واحد على الانفراد ، فهو مانع من الاجتماع ، مع أنه وصف عليا عليه السلام بوصف لا يليق به ، ولا ادعاه عدو قط ، بل هو معروف بضده ، من الركانة والبعد عن المزاح والدعابة وهذا معلوم ضرورة لمن سمع اخباره عليه السلام ، وكيف يظن به ذلك ، وقد روى عن ابن عباس أنه قال : كان أمير المؤمنين علي عليه السلام إذا أتى هبنا ان نبتدئه بالكلام ، وهذا لا يكون الا من شدة التزمت والتوقر ، وما يخالف الدعابة والفكاهة . ومما تضمنته قصه الشورى من المطاعن ، أنه قال : لا أتحملها حيا وميتا ، وهذا إن كان علة عدوله عن النص إلى واحد بعينه ، فهو قول متلمس متخلص ، لا يفتات على الناس في آرائهم ، ثم نقض هذا بان نص على ستة من بين العالم كله ، ثم رتب العدد ترتيبا مخصوصا ، يؤول إلى أن اختيار عبد الرحمن هو المقدم ، وأي شئ يكون من التحمل أكثر ( 2 ) من هذا ! وأي فرق بين ان يتحملها ، بان ينص على واحد بعينه ، وبين ان يفعل ما فعله من الحصر والترتيب !
--> ( 1 ) الجلح : ذهاب الشعر من مقدم الرأس . ( 2 ) ب : ( أكبر ) .